الاثنين 30 يناير

10:10


المركز الاعلامي

القدوة

القدوة

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلاهادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، كرّم بني آدم وحملهم في البرِّ والبحر، ورزقهم من الطيبات، وفضَّلهم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، خلق الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، هيأ له الأرض ودحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، أنبت له الزرع، وأدرَّ له الضرع، خلقه في أحسن تقويم، وارتضى له الدين القويم، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، كل هذا لأجْلِ أن يُعلي كلمته، ويطبق شريعته، فيأتمر بأمره، وينتهي بنهيه.

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، والرحيم الأُسوة، نبيٌ الأُميين، وإمام المتقين، ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد.

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته، وأحذركم ونفسي معصية الله وعقوبته، فإن الميزان عند الله التقوى، فمن اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه هداه وكفاه.

 

وبعد،

عباد الله: من سُنن الله في خلقه سنة التفاضل، فقد فاضل الله تعالى بين الأمكنة وبعضها، فمكة- البلد الحرام - ليست كغيرها، وكذا المدينة المنورة وبيت المقدس، وفاضل بين الأزمنة وبعضها، فيوم عرفة ليس كسائر الأيام، وفاضل أيضاً بين البشر وبعضهم، حتى فاضل ربنا جلَّ وعلى بين الرسل وبعضهم، فقال تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ)).

فهؤلاء هم القُدوة والصفوة من الخلق، فإذا أراد إنسانٌ عزاً، فلا يطلبه في غير طريقهم، وإذا أراد رفعاً لذكره، فلا ينتهج بغير نهجهم، وهذا ما قاله ربنا لنبيه في سورة الأنعام بعدما ذكر عدداً من الأنبياء، فقال: (( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)).

 

القدوةُ عباد الله لها أثرٌ عظيم في نفوس البشر، فالله تعالى فَطَرَ الإنسانَ علي اقتدائه بغيره، هذه سُنةٌ آدمية، وفطرةٌ جِبلّيةٌ، يحتاج المرء من في حياته في كافة المراحل العمرية إلى قدوةٍ حسنةٍ تُنيرُ له طريقه، فيهتدي ولا يتخبط، وهذا لا يختص به إنسان دون آخر، فقد أمر الله نبيه بأن يقتدي بمن قبله من الرسل، رُغم أنه أفضلهم، فقال :((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)).

وقال: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )).

 

يحتاج الإنسان البيان العملي أمامه، فيكون خير مُعَلمٍ له، فيتخذ من أنبياء الله القدوة، وكذا أهل العلم والأدب والعمل، يقرأ سِيَرهم، وينهل من علمهم، ويُحاكي قدر الإمكان عملهم.

 

وهذا كان واضحاً جلياً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فكان -على سبيل المثال- قدوةً في البذل والعطاء.

روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ".

 

فهذا البيان العملي لا يحتاج لكثرة كلام عن النفقة والإنفاق، صباح مساء أو ليل نهار، بل هو درسٌ عمليٌ أبلغُ من ألف حديث.

 

وكذا أيضا، كان مِقداماً شجاعاً مغواراً، فكان إذا اشتد البأسُ في الحرب، وحميَ الوطيس، احتمى أصحابه به صلى الله عليه وسلم لشجاعته وجرأته، كما قال عليٌ رضي الله عنه.

 

فكان بمثابة القدوة لأصحابه، كان قائداً عسكرياً، وأباً حنوناً، وزوجاً رقيقاً، وإماماً رفيقاً.

كان يكون في خدمة أهله، وفي مقدم الصفوف في القتال، ويختار أشقّ الأعمال، فكان يجمع بين البيان العمليّ، والقول النظريّ.

وهكذا كان أصحابه وخلفاؤه من بعده، فهذا يُعرفُ بصدقه، وذاك يُعرف بعدله وهكذا.

وتبعهم على نهجهم أبناؤهم، لذلك أنت تسمع اليوم عن عمر بن عبد العزيز مثلاً، فينصرف ذهنك فوراً إلى العدل والزهد في الدنيا، رغم أنه امتلك مفاتيح أعظم الدول حينئذٍ.. وهارون الرشيد، الذي إذا سمع اسمه ملكٌ من ملوك زمانه، جفَّ حلقُه، وارتعدت فرائصه، هيبةً منه وإجلالاً له.

وأبي جعفر المنصور ومحمد الفاتح وغيرهم من قادةٍ وعلماء في الطب والفلك والحساب والجغرافيا والسيّر والتراجم، لا يُحصون عددا، ملأوا طباق الأرض علما، وصاروا قادة وقدوة.

 

والآن أيها الأفاضل، كم نحتاج اليوم إلى قدوات أمثال هؤلاء النوابغ بعد أن صرنا في ذيل الركب ومؤخرة الأمم؟؟

 

ولكن مهلاً يا أخي الكريم، لم لا أكون أنا وأنت هذه القدوة؟!

بدلاً من أن ننتظر شخصاً ما يقوم بالصلاح والإصلاح، ننتظر أنا وانت المُخَلِّصَ المنقذ، فتفنى أعمارنا وتذهب رؤوس أموالنا سُدى بلا طائل ولا فائدة.

 

لما لا تكون قدوة لولدك في بيتك؟

فبدلاً من أن تقول له لا تكذب، وتنهره عن الكذب، لما لا تُطبق هذا واقعاً أمامه؟، فيكون الصدق ديْدنك، وتقول له: إننا نحن المسلمون لا نكذب أبداً مهما كلفنا الأمر، ثم تذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم " إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِرِّ وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وإنَّ الرَّجلَ ليصدقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللَّهِ صدِّيقًا وإنَّ الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النَّارِ وإنَّ الرَّجُلَ ليَكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتَبَ عندَ اللَّهِ كذَّابًا". رواه البخاري

 

لم لا تكوني أنتِ يا أختي الكريمة القدوة لبناتك؟ فتغرسي فيهم منذ الصغر حب الحجاب والعفة والبعد عن السفه والشطط والخبائث المنتشرة في المجتمع؟

لم لا تحتفلي بها عندما تلبس الحجاب وتعطيها هديةً قيّمة تشجيعاً لها ولفعلها؟، فتحيا عزيزةً شامخةً بدينها وحجابها وحيائها ومبادئها.

 

أيها الشباب لم لا نكون نحن القدوة لأبنائنا في المستقبل، فنَجِدُّ ونجتهد في تحصيل العلم والعمل بذلك العلم في شتى المجالات، في البحث والطب والصناعة والزراعة؟

فتكون شاباً مسلماً فَتيّاً، تؤدي صلاتك، وتحافظ على صحتك ولياقتك، وتلتحق بأفضل الجامعات.

أخلاقك بين الناس حسنةٌ، وسيرتك بين الناس بالخير سابقة، ومع هذا متميزاً في دينك ودنياك، فلا تعارض بين هذا وذاك.

 

فيأتي ولدك، وقد مَثُلَ أمامه نموذجاً عملياً لرجلٍ مسلمٍ ناجحٍ، حينما تحين الصلاة، لا تُقدِّم عليها شيئاً إلا بعذر، فتَعظُم هذه العبادة في قلبه، حينما تكون في ضائقة، لا تمتد يدك أبدا إلى حرام، رغم ما تعانيه، فتكون قدوةً له في أكل الحلال، وهكذا تباعاً.

 

أيها الكرام، تاريخنا حافلٌ بالقادة والأبطال في شتي مناحي الحياة، غمروا الأرض بعلمهم وجهدهم وأياديهم البيضاء على البشرية، والناس تجني ثمار جهدهم إلى الآن، وحاضرنا ولله الحمد مليءٌ بقصص النجاح الملهمة من النساء والرجال الذين إذا ذهبت تُحصيهم عدداً لطال بك المقام. 

ولكن مازلنا نحتاج إلى أعداد أكثر بكثير لنثبت لأنفسنا أولاً ولغيرنا ممن يختلف معنا في العقيدة أو العِرق أو الأرض، أننا ولله الحمد نمتلك كل مقومات النجاح والقيادة التي نستطيع بها النهوض بالبشرية على أساسٍ نقيّ من الصدق والأمانة والجّد والعمل.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

أحمد الله إليكم جل جلاله، وأصلي وأسلم معكم على النبي وآله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

أيها المسلمون، إن الإنسان مجبولٌ على أن يكون في حياته نموذجاً ما يقتدي به، إما في الخير أو الشرّ، فالذي سار في طريق الغواية والضلال، لابد وأنه رأى شخصاً فعل ذلك فذاع صيته وانتشر أمره، فأعجبه صنيعه، ففعل فعله، فكان له قدوة، ولكن قدوة سيئة.

وذاك الذي اختار طريق العلم والعمل، لابد وأن رأى أُنموذجاً صالحاً قد مَثُل أمامه، أصبح مصدر إلهامٍ له، فتتبع أثره، وأحب منهجه، فكان له قدوة حسنة.

 

ولكن الإشكال هنا أيها الإخوة في معيار اختيار القدوة، خاصةً في هذا الزمان الذي انقلبت فيه الموازين واختلّت، وانتكست فيه الفطرة وانحرفت، فأصبح الآن يُقدَّم أصحاب الفن الهابط والمحتوى التافه الفارغ البذيء، الذي لا يُقدم نفعاً مطلقاً، فضلا ً عن كم الضرر الذي يُسببه.

 

ويستهوي ذلك الشباب الناشئ، الذي يُفترض أن يكونوا آباء المستقبل!!، فينجذب الشاب إلى قصة شعر هذا الفنان، أو إلى رقصة هذا اللاعب، بل وأحيانا يُسمي نفسه باسمه، وأصبح جُلُّ المؤثرون هم التافهون الذين لا يوزَنون بمثقال ذرة من علم ولا أدب !، يركبون أغلى السيارات، ويسكنون أفخم المنازل، ويُقدمون كقدوات في كُبرى المحافل!!، وأهل العلم حبيسي أبحاثهم وجامعاتهم ودروسهم، لا يعرفهم سوى طلابهم ومريديهم.

 

انقلبت الموازين، وتكلم التافه في أمرِ العامة كما أخبر النبي عن علامات الساعة، وهذا له أسباب عديدة، منها اختفاء القدوة.

 

ويأتي هنا في المقام الأول دور الأسرة الجوهري.

يجب على الآباء أن يغرسوا في أبنائهم إجلال العلم وأهله، وألا يغتروا بهذا الزبد، الذي قريباً -إن شاء الله- سيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

 

يواجهوا هذه الرياح العاتية، من تشويه الأكابر، وتحطيم الأصول والمبادئ، بواسطة الإعلام السيء، والفن الهابط، الذي يُلمع الخبث والخنا والفُحش والعُري.

 

اغرسوا في أولادكم حب الله، وادفعوهم بلطف إلي المساجد ومجالس الصالحين، أعطوهم من أوقاتكم، كونوا لهم مثالا صالحاً يُحتذى به في الصدق والعلم والعمل واستغلال الوقت فيما ينفع، بدلا من إهداره بلا طائل ولا نفع.

 

علموهم أن الإنسان يُقيَّمُ بمقدار ما يُقدم من نفعٍ لمن حوله، وبما يتركه من إرثٍ صالحٍ ورائه، فتلحقه دعوات الناس، وتظل صحيفته مفتوحة حتى بعد موته، بدلاً من آخر، قد أفسد في الأرض، وخلّفَ ورائه ذنوباً جاريات، فتظل أيضاً صحيفته مفتوحة، ولكنه يحمل وزره ووزر من كان سبباً في إضلاله من بعده.

 

شجعوهم على طلب العلم وحفظ القرآن وممارسة الرياضة والاهتمام بالقراءة.

اعطوهم الهدايا بعدما ينتهون من قراءة كتاب أو يحققون مركزاً بين رفقائهم، أعطوهم الثقة ليتكلموا في التجمعات ويُظهروا مواهبهم في التحدث والرسم والإنشاد وغيرها.

 

بذلك، ومع مرور الأيام ينشأ لدينا جيلٌ سليم النفس، قوياً في دينه ودنياه، ومن ثمّ يكون قدوة لمن بعده، وهكذا إلى أن يُختم للإنسان وهو قائم على ثغرٍ عظيم.

ولنتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم "مَن دعا إلى هُدًى كان له مِن الأجرِ مِثْلُ أجورِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن أجورِهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه مِن الإثمِ مِثْلُ آثامِ مَن تبِعهُ لا ينقُصُ ذلك مِن آثامِهم شيئًا."

رواه مسلم.

والحمد لله رب العالمين

جمعة 04 نوفمبر 2022

عرض التفاصيل
الطلاق والخلع في الغرب

الطلاق والخلع في الغرب

عباد الله: 

من المعلوم أن العديد من الأمور الفقهية للمسلمين تحتاج إلى الفصل من ولي أمر المسلمين، كالطلاق والخلع مثلاً، فمن وليهم في بلادِ هم فيها أقلية؟

لا بل هم متفرقون في مجموعاتً كل حسب بلده الأم على الأغلب، والنتيجة ألا ولي لهم فيها.. فكيف نحل مثل هذه المشكلة الكبيرة؟

والغريب يا إخوة أنها مشكلةٌ مزمنةٌ فعلاً لأنها قائمة منذ عشرات أو مئات السنين مع المسلمين في أوروبا، ولا حل حتى الآن لها حسب ظننا وعلمنا القاصر.

وإن أردنا حلها وطالبنا بمحكمةٍ شرعيةٍ إسلاميةٍ تفصل في شئون المسلمين هنا، لهاجمتنا أبواق الإعلام ورمتنا بأننا نريد تأسيس دولةٍ داخل الدولة، وهم بالفعل جاهزون مترقبون.. فهل نقف مكتوفي الأيدي؟

الحق أنه يجدر بنا أن تكون لنا محاكمنا الدينية الخاصة، أسوةً بالنصارى في بلادنا وهم أقليةٌ كذلك، فأمرهم موكولٌ لهم.. لكن كيف ومتى يكون ذلك؟ وهل تنتظر مشاكلنا سنواتٍ عجافٍ أخرى حتى يتحقق ذلك؟

ولنكن منصفين.. المسلمون هم من لا يطالبون بذلك ابتداءً، فهم كما قلنا متفرقون، أغلبيةٌ تركيةٌ تحل أمورها في سفارتها، ثم عربٌ متناثرون بين سوريين لا يزالون بحاجةٍ إلى الاطمئنان والشعور بالاستقرار في هذه البلاد، وأفارقةٍ لا يبحثون أساساً عن أي حلٍ، فحتى أكثر الأفارقة وجوداً في هذه البلاد لا يكترثون كثيراً بدولتهم المغرب، لأن غالبيتهم من الأمازيغ المضطهدين حسب رأيهم في بلادهم.

لكن مَن يحل مشاكل عشرات وربما مئات الآلاف من المسلمين المقيمين هنا؟ من لها؟

إخوتي الكرام.. دستورياً يحق للجميع ممارسة شعائر دينه بلا حرج، شريطة ألا يؤثر ذلك على حرية الآخرين وألا يضر بكيان الدولة بأي شكلٍ.. وهذا الحق يمارس بعوارٍ شديدٍ من المسلمين، فهذا رجل وتلك امرأةٌ يرغبان في الزواج، ويجدان من يزوجهما بكل سهولةٍ في بعض المساجد دونما التسجيل في هيئة الزواج المدني بالدولة،.. وتمر بهما الحياة فإذا ما أرادت الزوجة مفارقة الزوج أو خلعه لظلمٍ أو هجرٍ بيِّنٍ وجدناها تتعرض لابتزازٍ كبيرٍ من الزوج الذي تحول من مجاملٍ إلى متجبرٍ، وقد رأينا أنه قد يطلب منها في بعض الأحيان ما يزيد عن عشرين ألف يورو، وبدلاً من أن يكون لها سنداً في الغربة، يكون هو أول من يساومها ويبتزها..!! أبعد ذلك خسة؟!

ولو لجأت المرأة للمساجد لما وجدت لديهم حلاً، لأنه لا أحد منهم يستطيع أن يرى في نفسه ولياً لأمر المسلمين وله سلطة التفريق والخلع.. فكيف نحل مشكلة مثل هذه المرأة المسكينة؟ وهي التي سقطت بين أنياب خسيسٍ لا يقيم للمعروف وزناً ولا يخاف الله رب العالمين، أو ربما اعتاد في بلاده على أن المرأة سقط متاعٍ يجب أن تظل حقوقها الإسلامية الأصيلة منسيةً مهضومةً على الدوام.. ومن ناحيةٍ أخرى لا يجرؤ شيخٌ على اعتبار نفسه ولياً للمسلمين ليحل لها مشكلتها..

المؤلم المبكي يا إخوة هو أن تلك المرأة قد تجد شيطاناً يتجسد في غير مسلمٍ أصلاً، يحنو عليها وقد يسيطر على مشاعرها بداعي الحب، ثم تقارن بينه وبين المسلم الذي رأت منه خسةً لا نظير لها، إلى جانب مسجدٍ يقف عاجزاً عن إنصافها ويتهرب منها.. فهل تلجأ للحل الأسهل، وهي أن تنسى دينها وترتمي في أحضان غير المسلم، لأنه أحن وأكثر إنصافاً وربما هو الوحيد الذي فهمها ووقف بجانبها؟!!

والله يا إخوة إننا نهدم إسلامنا وأسرنا وأولادنا بأيدينا.. لقد وصلت إلينا العديد من المشاكل من مثل هذه النوعية الخطيرة، ووجدنا أن الأمر لو استمر هكذا فلا نستحق أن ننتظر من أبنائنا إلا البعد عن الإسلام، لأنه في نظرهم عاجزٌ قاصرٌ على حل مشاكلهم.

فهل يضعنا الله فعلاً في مشكلةٍ لا حل لها؟

حاشا لله.. فإن وعده الحق لن يفتأ قائماً إلى يوم القيامة، بأنه (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).. فما الحل إذاً؟

الحل بسيطٌ في نظرنا، وهو أن نلجأ إلى التحكيم العرفي المستند على رأي أهل الحل والعقد من فقهاء كل مدينة، بحيث تتشكل لجنةٌ شرعيةٌ من أكثر فقهاء المدينة علماً، تجتمع مرةً في الشهر، لتنظر مشاكل المسلمين الدينية وتصدر فيها فتواها.. وأؤكد أن القرار هنا يسمى فتوى من اللجنة الشرعية، فلا يجدر بنا أن نسميه حكماً قضائياً كي لا يأتي المتربصون ويقولون بأننا قد أنشأنا محاكمنا الخاصة وأن في ذلك مخالفةٌ للدستور.. رغم أن هذا من حقوقنا لكنه يحتاج إلى خطواتٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ أخرى طويلةٍ تسبقه، فلنؤجل المسمى حتى تتحقق أولاً.. المهم هنا أن تصدر فتوى التطليق أو الخلع من لجنٍ مكونةٍ من أفقه من بالمدينة مجتمعين، كي يحلوا هنا محل ولي أمر المسلمين، وتنتهي مأساةٌ طالما استمرت عقوداً طويلةً.

ونذكر بأنه لابد من إشهار مثل هذه اللجنة الفقهية بين المسلمين، كي يدركوا أن لمشاكلهم حلولاً.

ندعو جميع العاملين بإدارات المساجد في كل مدينةٍ أن يتعاونوا على البر والتقوى، وليس على جمع التبرعات وفقط..!!

لابد لكم أن تخرجوا من قوقعة التشرذم والانعزال عن بعضنا البعض إلى نور الوعي بأمور المسلمين.. وندعو الله ألا تتأخروا في هذا المضمار، فلن يرحمنا الله إن نحن استمررنا في التقصير وأغمضنا عيوننا عن مشاكل تهدم كيانهم وتدمر أطفالهم ونساءهم من قبلهم.

 

نسأل الله أن يلهمنا الصواب، وأن يثبتنا على الحق، فاللهم أعنا على أنفسنا أولاً،.. أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

أما بعد.. 

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى عن واحدةٍ من أعظم مشاكل المسلمين في الغرب، والتي لا ينتبه إليها إلا من يحتاجها فعلاً، وهي تشكل عبئاً خطيراً على ما تبقى من الأسرة المسلمة في هذه الحالة، ألا وهي التفريق بين الزوجين.

وفي الخطبة الثانية نريد أن نلقي الضوء على بعض المنتفعين الذين يتحدثون باسم المسلمين وهم أبعد من يكونون عن تمثيلهم، همهم الأول هو التربح المادي وليس صالح المسلمين.. أما كيف يتربحون؟ فهذا هو ما يجهله الكثيرون من العاملين المجتهدين في خدمة المسلمين بحق، من أنماطٍ متعددةٍ من الدعم المادي الحكومي المحلي.. إنهم يتحدثون باسم الإسلام ويقدمون التنازل تلو الآخر دون أي سندٍ لا من الشرع ولا من الواقع المتمثل في تأييد المسلمين المزعوم لهم.. وهم كزهرة دوار الشمس، يتبعون ويدورون حول طلبات الساسة، فلو طلب الساسة تحليل الشذوذ الجنسي، تراهم يكتبون أبحاثاً طويلةً يحاولون فيها التدليس ويقولون في الإسلام ما ليس منه على الإطلاق، حتى أصبحنا نرى في الشوارع إعلاناتٍ باهظة التكاليف من قبيل: أنا مسلم، لكن شاذ، والإسلام لا يعارض ذلك.. وللأسف لا تنتبه مساجدنا إلى هذه المشكلة، ويحسنون الظن بهم، وهم بالفعل غير مستحقين لذلك.

إخوتي في الله.. ليس بالضرورة أن يكون جميع هؤلاء المتربحين من الفجار كغيرهم من أصحاب أطروحات تحليل الشذوذ الجنسي أو كبيرةٍ من الكبائر في الإسلام، لكن منهم أيضاً من يمكن وصفه بأنه ضعيفٌ ممالئ، يمارس دور الرقابة من ناحيةٍ والمداهنة من ناحيةٍ أخرى، دون أن يكون له أي دورٍ فاعلٍ في المجتمع المسلم، غير ربما بعض مباريات الكرة بين أئمة المسلمين ورهبان النصارى في المدينة، كمظهرٍ من مظاهر التسامح المحببة إليهم.. وقد طلبنا منهم أن يعملوا على حل مشكلةٍ من مشاكل المسلمين، فوجدناهم أبعد ما يكونون عن ذلك، لأنهم يدركون أن وظيفتهم كما أسلفنا هي مجرد الرقابة وكتابة تقارير عن المساجد للمسئولين بالمدينة لا أكثر.. وقد جربنا بعض هؤلاء وعرضنا عليهم حلولاً لمشاكل المسلمين كتلك التي أوضحنا في الخطبة الأولى، فوجدناهم يتحججون بأنهم لا يمثلون السنة فقط، بل يمثلون الأحمدية والقاديانية وغير ذلك من الطوائف غير المعترف بها من جمهور المسلمين أصلاً.. فلو قلت لهم إن أهل السنة في المدينة يزيدون بمراحل عن سبعين بالمائة، لتحججوا بأن المسئولين يرغبون فيمن يمثل جميع المسلمين لا أغلبيتهم.. فهم كمسمار جحا، موجودٌ ليثبت وجوده فقط، دون أن يكون له أي سندٍ من الواقع يدعمه.

إخوتي.. نستحلفكم بالله أن تكونوا أكثر وعياً لما يحاك بكم، فأبناؤكم لن يغفروا لك أي تقصيرٍ عند محكمة الجبار العادل.

.. ..
ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا

جمعة 25 فبراير 2022

عرض التفاصيل
حقوق المرأة الحقيقية

حقوق المرأة الحقيقية

عباد الله: 

للأسف الشديد تكثر في بلادنا عاداتٌ هي أبعد ما تكون عن الإسلام، وقد استجلبها البعض معه، وألصقها بالإسلام زوراً. وفي المقابل يجهل غالبيتنا حقوق المرأة الأصيلة في الإسلام، وهو ما ستسمعونه في خطبة اليوم.. ودعوني أعطي لكم أولاً مثالاً معروفاً عن الحقوق المالية لها قبل أن ندخل في صلب الموضوع:

عملياً تجد كثيراً من الرجال يهضمون حقوق الزوجة والأخت بل وحتى الأم، ويتباهى الرجل بأنه أكل ميراث أخته مثلاً قبل أن يذهب لرجلٍ غريب، يقصد هنا زوجها.. وهو لا يدري أنه سيهوي في جهنم بهذا التصرف الأحمق، والذي هو أبعد ما يكون عن الرجولة.

لكننا لو رجعنا إلى الإسلام لوجدنا الأمر مختلفاً تماماً.. لماذا يتناسى هؤلاء المرأة المسلمة الواعية التي دافعت عن حقها، فذهبت إلى عمر بن الخطاب لتطالب به بعد وفاة زوجها، إنها حبيبة بنت زريق التي حكم لها عمر أولاً بنصف مال زوجها المتوفي كشريكةٍ له في ماله، ثم بعد ذلك تأخذ نصيبها في النصف الثاني كإحدى ورثته مع باقي الورثة.. فهل يفهم هؤلاء ذلك؟ أم أن المرأة في نظرهم يجب أن تظل هي المكبوتة صوتاً ورأياً، وهي المغبونة في كل حقوقها التي أقرها الشرع لها وكتمها الرجل؟

أين قضاؤنا الشرعي في بلاد المسلمين الذي كان يجب عليه أن يحكم للنساء بحقوقٍ فقدنها على مر قرونٍ طويلةٍ؟!!

لماذا الإصرار على تجاهل حقوقها، مع أن إسلامنا هو من أنصفها، ولا يوجد من هو أكثر إنصافاً لها.. أهو التعمد أم الجهل؟

إن كان جهلاً فقد أخبرناكم الآن، وهذا يعد تقصيراً كبيراً من جانب الرجل، فعليه أن يسأل عن واجبه أولاً قبل أن يطالب بحقوقه.. هكذا علمنا الإسلام.

أما إن كان تعمداً، فالعاقبة سيئة للغاية، واسألوا الله التوبة العاجلة، وصححوا أوضاعكم قبل أن يفوت الأوان ويكون العقاب الذي لا مفر منه لمن هضم حقوق المرأة.

إخوتي في الله.. 

مَن قال بأن المرأة في الغرب لها حقوقٌ أكثر من المرأة في الإسلام؟

يظن البعض أن حقوق المرأة في الغرب هي أسمى من غيرها على ظهر البسيطة.. ويبالغ البعض الآخر -عن غير إدراكٍ كاملٍ- في أن ما يعرفونه من الإسلام إنما هو بحد ذاته الأفضل على الإطلاق، دون أن يعرفوا كامل ما أقره الإسلام فعلاً للمرأة من حقوقٍ هي أكثر بمراحل مما يظنون.

لكن على الجانب الآخر نجد على الأعراف أناساً يحاولون الجمع بين ما لا جمع فيه.. وفي هذه الحال يحاولون التشدق بحقوق غير موجودةٍ للمرأة ويخترعون لها ما ليس له في الإسلام أصل، فقط كي يرضى عنهم أهل الحل والعقد في الغرب.

والحق في نظرنا أننا يا إخوة لو نظرنا بوعيٍ نقيٍ في شريعتنا الغراء، لوجدنا أنها قد أقرت للمرأة العديد من الحقوق التي يجهلها غالبية المسلمين، بل ويطبقون عكسها تماماً، لدرجةٍ أنني أزعم أن كثيراً من الناس سيغبطون النساء لوعلموا كثرة الحقوق الحقيقية التي يتمتعن بها في ديننا الحنيف.

عباد الله.. إن حال المرأة اليوم لا يعبر بحالٍ عن حقوقها الأصيلة في الإسلام، بل عن عاداتٍ اختلطت ببعضٍ من الشريعة، فكان الناتج مشوباً بالعوار الاجتماعي في كل مجتمعٍ.. ففي بعض البلاد يتم هضم حقوقها في الميراث، وفي بلادٍ أخرى لا يجوز لها أن تتفوه بكلمةٍ أساساً، بحجة أن صوتها عورة، أو أن مكانها الأوحد هو بيتها، ولا شأن لها بالمجتمع من حولها، وكأنها سَقَط متاعِ كما يتوهم البعض.

كيف يمكن أن يجمع هؤلاء بين اضطهاد المرأة وأكل حقوقها وبين الوصايا العديدة والمتكررة التي أمرنا بها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ألم يكن هو القائل: (استوصوا بالنساء خيراً).. أم أن هذا حديثٌ يقال فقط في حفلات عقد القران على المرأة، ثم ننساه بعد ذلك كلياً؟!!

ومن ناحيةٍ أخرى يتوهم بعض الرجال أن قوامتهم التي أقرها القرآن الكريم لهم من أجل قيادة الأسرة، إنما هي نوعٌ من التشريف للرجل، وهو ما يخالف الحقيقة تماماً، فالقوامة تكليفٌ لا تشريفٌ.. وهو ما لا يسمح للرجل بالتسلط على زوجته وكأنه طاووس الملوك يتبختر على الأرض، لكنه يجب أن يكون حاميها وحانيها، وما الصورة التي نقلتها لنا الأفلام الساذجة بمعبرةٍ بأي حالٍ عن حقيقة دور الرجل في الإسلام، بل هي من أسهمت في نشر الصورة المغلوطة عن كافة أفراد الأسرة، وساعدت على فسادهم جميعاً.

فالرجل في إسلامنا هو من يتمسك بنهج رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، حين قال لنا معشر الرجال:

(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).. انظر يا أخي وتمعن في كلامه الجميل، إن رسولنا لا يحتاج لأن يتفاخر بيننا بأنه خيرنا حينما أردف (وأنا خيركم لأهلي)، لكنه قال النصف الثاني من الحديث ليؤكد لك أن سيد الخلق جميعاً، المرسل إلينا من ملك الملوك، إنما هو أول من يساعد زوجته في البيت، وهو أيضاً مَن كان لا يستحي أن يخيط نعله بنفسه كي لا يرهقها.. صلوات الله وسلامه عليك يا أحب خلق الله إلينا، مرشدنا ومعلمنا بحق.

إياك أن تشعر أنك قائد العالم، وغير متاحٍ للحديث مع شعبك في البيت، فمهما كنت، أنت شريكٌ لها، ولن تنجح الشركة إلا بكما معاً، وليس بانشغال أو انفصال واحدٍ عن الآخر.

إخوتي في الله.. إن الله خالقكم قد قال لكم في دستوره الذي أرسله لكم: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ثم قال لنبيه تأكيداً على المشاركة السياسية للمرأة: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ)، فماذا يعني ذلك؟

وماذا تعني تلك القصة؟ التي حفظناها صغاراً عن تلك المرأة التي اعترضت في خطبة الجمعة وحاججت عمر بن الخطاب وغلبته، فأعلن أمام الجميع أنها على الحق.. 

الأمر ببساطة يا إخوة هنا يعني المساواة، والمساواة المقصودة هي المساواة الذكية، وليست المساواة العمياء التي يتشدقون بها.. مَن قال بأن المرأة كالرجل جسدياً؟ لابد أنه أعمى البصر أو البصيرة، ولا يمكن أن تكون هنا مساواة.. لكن المساواة هنا هي في الحقوق والواجبات العامة، فلها مثلاً أن تمارس السياسة، وأن تتاجر وتترأس الشركات والمؤسسات.. بل إن بعض الفقهاء قد أجاز أن تتولى القضاء رغم معارضة أغلبية الفقهاء نظراً لتغير حالتها النفسية ومزاجيتها وفقاً لطبيعتها الجسدية وما يتبع ذلك من حيضٍ وآثاره المعروفة،.. لكن لماذا أجاز بعض الفقهاء ذلك؟ وفي أي زمنٍ كان هذا؟

لقد أجازوا الأمر لأنهم استشعروا أهميتها في المجتمع، وكان ذلك وقت العهد الظلامي في أوروبا، أي قبل أكثر من ألف عامٍ.. فلمن كانت الأسبقية في تكريم المرأة؟

وقد يقول قائلٌ رغم كل ذلك: أنتم من أهان المرأة، أليست شهادتها بنصف رجل في قضائكم؟

وعندما يسمع أبناؤنا هذا السؤال تراهم وكأن على رؤوسهم الطير، لا يعرفون رداً، ويقرون فعلاً بأن الإسلام أهان المرأة إلى هذا الحد، ولو سأل الابن أباه، قد تراه أيضاً فاقداً للرد..

إخوتي.. أستحلفكم بالله أن تدققوا قليلاً فيما تسمعون، واحكموا بأنفسكم أي الفريقين على صواب:

العالم كله يجعل شهادة المرأة في كل الأمور كاملةً كشهادة الرجل، ولا يراعي أحوالها النفسية والبدنية.

في حين أن الإسلام يدرك من قديم الزمان أن المرأة تمر في مرحلة حيضها ببعض الضغوط النفسية والمزاجية، لذا فقد أجاز شهادتها لكنه احتاط لهذا الأمر بأن تكون امرأةٌ أخرى معها، والسبب قد ذكره الله في أواخر سورة البقرة: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ).. كان ذلك في عهد الجاهلية يا إخوة، أقر الإسلام شهادتها على غير عرف العرب، لكنه راعى نفسيتها وأحوالها.

فمن أعدل؟ قانون الله أم قانون البشر؟

.. ..

مثالٌ آخر:

المرأة في الغرب يجب أن تعمل، لكنها في الإسلام مخيرةٌ، يمكن أن تبقى في بيتها أو أن تعمل بالاتفاق مع زوجها، فإن بقيت في بيتها كان عليه نفقتها كاملةً.. وإن هي ساعدته كما تفعل المرأة في الغرب، كان لها نصف ماله أو جزءٌ منه حسب مساهمتها.. فالمرأة في الغرب مسيرة مجبرة، وفي الإسلام مخيرة مكرمَة، لها نفس الحقوق وأكثر.

فماذا تختارون يا عباد الله؟؟

.. ..

لكن وعلى صعيدٍ آخر، قد يدعي قائلٌ بأن الإسلام قد أهان المرأة حين سمح للرجل بتعدد الزوجات.. ونحن لا نخشى من تناول هذا الموضوع في أوروبا، ونؤكد قبل أن نرد على هذه المقولة، بأننا قد أخذنا العهد على أنفسنا أن نحترم قوانين البلاد، حين طلبنا الإذن بدخولها، وهو ما نستمر عليه دون شكٍ مطلقاً.. لكننا نريد أن نتناول الموضوع بشيءٍ من المنطق، مجرد مناقشة موضوعية، دون أن نمنع أحداً حقه في التفكير والتعبير عن رأيه.. 

إننا لو أنصفنا حق الإنصاف لقلنا أن من حقوق المرأة أن تطالب بتعدد الزوجات.. فكيف يكون ذلك؟

نعم.. فقط انظروا إلى كل النساء بحياديةٍ تامةٍ، وليس إلى الزوجة الأولى فقط التي قد تطالب بعدم الزواج بثانيةٍ.. فهل لو قامت حروب ومات الرجال، هل يجب أن تظل المرأة الأخرى بلا زوج؟ ماذا لو اختلت موازين أعداد الرجال والنساء في مثل هذه الحال؟ أليس من حقها أن تجد زوجاً يحنو عليها.. 

وفي ظرفٍ آخر، أليس من حقها ألا يكرهها زوجها لأنها لا تنجب، وأن يكون له أن ينجب من غيرها، لكن عليه أن يعدل معها دون أن يكرهها.. أفيسمح القانون بأن يكون من حق الشواذ جنسياً أن يتبنى الرجل منهم ابناً غريباً، وربما يستأجر أماً غريبةً لتحمل منه أو من شريكه، ثم نرفض أن يكون من حق الرجل المسلم أن ينجب من امرأةٍ أخرى، يؤدي لها كامل حقوقها كأمٍ لابنه؟!

أي منطقٍ هذا الذي يسمح بالأولى ويرفض الثانية؟؟!!

هذه مناقشةٌ حرةٌ، لابد فيها أن نسمع الطرفين، والرأي بعد ذلك للسامع.

إن الإسلام يحافظ على أن يكون الرجل والمرأة سكنٌ لبعضهما، ويسد في غير ذلك منافذ الشر إليهما بكل السبل.. صحيحٌ أننا نعيش في بلادٍ تجرم تعدد الزوجات، وأن واجبنا أن نحترم قوانينها، لكن هذه البلاد هي نفسها التي تسمح بتعدد الصديقات، فما بالنا بصديقةٍ يسمح بها القانون المحلي هنا، لكن مع إضافةٍ لا يمنعها القانون أيضاً، وهي أن الرجل يشهِد غيره من المسلمين على حقوقها الإضافية لديه، أفلا يكون هذا زواجاً شرعياً من الناحية الإسلامية دون مخالفةٍ للقانون الألماني؟.. هي في نظر القانون صديقة، لكن بحقوقٍ مدنيةٍ إضافيةٍ يكتبها الرجل على نفسه لها، ويشهد الله والشهود على ذلك.. فأين المخالفة؟

إن القانون المحلي يتغير بتغير الأحوال والزمان، وما نحن بحاجةٍ للتدليل على ذلك بأقل من أن عقوبة الشذوذ الجنسي كانت الإعدام، وظلت تخفف حتى صار الرجل يتزوج الرجل بنفس قانون الدولة الذي كان يعدمهما معاً.. أما شريعة الخالق، فهي أرحب وأعقل من أن تتبدل مثل هذا التبدل العجيب.. إن إسلامنا لا ينظر إلى الأمور من منظارٍ ضيق الأفق، لكنه ينظر إليها بنظرة الخبير بأحوال الأمم والناس على مختلف أجناسهم وأزمانهم، لا.. بل بنظرة الخالق الذي خلق جميع هؤلاء، ثم صاغ لنا في قرآنه ما ينفعنا، وأرسل إلينا رسوله كي يشرحه لنا بشكلٍ عمليٍ واضحٍ.

نسأل الله أن يلهمنا الصواب، وأن يثبتنا على الحق، فاللهم فأعنا على أنفسنا أولاً،.. أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

أما بعد.. 

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى بعض حقوق المرأة في الإسلام، وفي الخطبة الثانية نريد أن نلقي الضوء على حقوق المرأة في غير الإسلام، كي نعيَ ونفهم.

إن أبناءنا ينظرون إلى أوضاع المرأة في أوروبا نظرةً ضيقةً تناسب فكرهم وخبرتهم المحدودة، ثم ينساقون وراء اتهاماتٍ تكال للإسلام هي أبعد ما تكون عن الحقيقة والواقع الراسخ.

فقط ارجعوا بذاكرة التاريخ إلى الماضي قليلاً، لتجدوا أن المرأة في أوروبا كان ينظر إليها على أنها شيطان مريد، فهي مصدر الخطيئة والشر في العالم.. هي في نظرهم أول من تمرد على الله وأخرج آدم من الجنة، وسوست إليه بعد أن عجز الشيطان عن غوايته.. حتى أننا نحتاج إلى وقتٍ طويلٍ جداً كي نسرد لكم ما ورد بشأنها في الكتب والأطروحات في المجامع الكنسية القديمة والمعاصرة، وحتى طائفة البروتستانتيين الذين تمردوا على الكنيسة القديمة، جميعهم كانوا يرون أن المرأة مخلوقٌ ما كان لله أن يخلقه، حاشا لله.. لقد تساءلوا لماذا خلق الله المرأة مع آدم، مع أنه كانت تنقصه الوناسة فقط، وكان بالإمكان أن يعوضه برجلٍ عن ذلك، دون أن يغويه كحواء..!

أرأيتم وقاحةً وتطاولاً على الله كهذا؟ يرون تصرف الرب خاطئاً ويلومونه على خلقه للمرأة..!!

وإليكم بعض الأمثلة يا إخوة حتى لا تنسون حقيقة المرأة عند الغرب:

إن المتأمل في كتابات أرسطو في علم الأحياء؛ يرى أن الذَّكر هو النموذج والمعيار، وكل امرأة إنما هي رجل معيبٌ ناقصٌ..

ويذكر المؤرخون أنه في مجمع ماسون، اجتمعوا في القرن السادس، وكان على الأساقفة أن يصوتوا على مسألة: "ما إذا كان للنساء أرواح أم لا؟! ولقد فاز اقتراح الموافقة بأغلبية صوت واحد"، أي أن نصف الكهنة كانوا يرون أنه لا روح للمرأة وإنما هي نابتةٌ حيوانيةٌ لا أكثر.. نصفهم إلا واحداً فقط هو من رجح الكفة أن لها روح كالرجل..!!

بل إن مارتن لوثر كان يقول حرفياً بأن الزواج عقابٌ للمرأة، وقد كتب يقول: إن هذا العقاب ينبع أيضًا من الخطيئة الأصلية، وتتحمَّله المرأة مكرهةً تمامًا، كما تتحمل تلك الآلام والمتاعب التي وُضِعت على جسدها،.. ويستطرد قائلاً: إن السلطة تبقى في يد الرجل، تُجبَر المرأة على طاعته حسب وصية الله؛ فالرجل هو الذي يحكم البيت والدولة، ويشن الحرب، ويفلح الأرض، ويبني ويزرع... أما المرأة، فعلى العكس من ذلك، فهي مثل مسمار يدق في حائط، يجب أن تبقى في المنزل، وترعى الحاجات المنزلية، مثل إنسان حرم القدرة على إدارة تلك الشؤون التي تختص بالدولة... بهذه الطريقة تعاقب حواء".. ثم يستطرد فيرى أن آلام الولادة إنما هي نوعٌ من العقاب المذكور، لأنها أغوت آدم..

إننا الآن قد عرفنا لماذا يقذفون الإسلام بأنه يضغط على المرأة وأنه يرى أن مكانتها فقط في البيت لا غير.. لقد كانت هذه عقيدتهم، وحينما اكتشفوا فسادها، هربوا منها وألصقوها بالإسلام.. مصداقاً للمثل العربي القائل:

رمتني بدائها وانسلت..!!

أرأيتم إخوتي الكرام كيف كانت تنظر الكنيسة للمرأة على مر العصور؟ في حين أن الإسلام قبل أكثر من ١٤٠٠ عامٍ أوضح لنا أن الله قد خلق حواء من ضلع آدم كناية عن توأمتهما الروحية، وأنها جزءٌ منه.. ثم جاء رسول الإسلام أفضل صلاةٍ وسلامٍ عليه فكرر توصيته لنا بالنساء، وشبههن بالقوارير، أي الزجاج الرقيق الذي يجب أن نحذر من كسره بأي تصرفٍ أهوج دون أن ندري،.. ولو أحببتم لقرأت عليكم وحدثتكم لساعاتٍ طوالٍ أحاديث وتوصيات عن المرأة في الإسلام.

فبالله عليكم.. مَن صادر كرامة المرأة ومن صانها؟

من أهانها وشبهها بالشيطان؟ ومن شدد في التوصية على الرفق بها؟

ثم يأتون فيزرعون في أدمغة أبنائنا، أننا متخلفون ورجعيون؟ أفلا يعقلون؟؟!!..

حافظوا على أبنائكم مما يحاك لهم، وإياكم أن تتراخوا أو تتكاسلوا في ذلك، فهذا والله من أعظم مهامكم وواجباتكم في الحياة.

.. ..

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا:

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا واصرف اللهم عنا برحمتك شر ما قضيت.. 

اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل، وكره إلينا معصيتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل.

اللهم اجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، واجعل أسعد أيامنا يوم أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم كن لإخواننا المظلومين، وارفق بهم وهَوّن عليهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم عجل للحق بنصرك المبين، وثبتنا عليه بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لك يا رب العالمين.

 

جمعة 18 فبراير 2022

عرض التفاصيل
من نتبع؟

من نتبع؟

عباد الله: 

نتناول اليوم موضوعاً شائكاً، وهو عن التيارات الإسلامية وأهميتها وعن تبعيتنا.. لكننا نؤكد في بداية حديثنا أن الله قد أمرنا في سورة النحل بأن نحسن الحوار في دعوتنا لغير المسلمين قائلاً: (ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ  وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ).

فإذا كان هذا هو واجبنا مع غير المسلمين، فما بالنا بأسلوب الحوار مع المسلمين؟ أنفجر في الخصومة لأننا نختلف معهم في الرأي؟

أم نكون كالمنافقين، أشداء على إخواننا رحماء على غيرهم؟!

لكن هذا لا يمنعنا بطبيعة الحال من النقد الموضوعي، والذي نراه هاماً للغاية، إذا أردنا مصلحة المسلمين حقيقةً.

 

إخوتي الكرام.. من المضحك المبكي أن نرى على الساحة الإسلامية تياراتٍ تتسابق في استمالة جمهور المسلمين تجاهها، كلٌ منهم يزعم لنفسه أنه على الصواب، لكنهم في نظرنا لا يقدِّرون الأمر حق تقديره.. 

فمن قال بأن المسلمين في حالهم اليوم يحتاجون إلى قيادةٍ موحدةٍ في صورة جماعةٍ معينةٍ؟ ألا ترون أن حال المسلمين اليوم هو كما وصفه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأننا كثير، لكننا كغثاء السيل؟ لا قيمة لنا..

نعم، إذا كنا ثلاثة علينا أن نؤمر أحدنا، امتثالاً لحديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.. لكن هذا لا يعني مطلقاً وجوب الانضمام تحت لواء جماعةٍ بعينها كما نسمع كثيراً من مثقفي المسلمين اليوم، وإلا لكان من حق الصحابة رضوان الله عليهم أن يؤسسوا جماعةً للأنصار، وأخرى للمهاجرين وغيرهم. وما رأينا الضرر يحيق بالمسلمين إلا بعد تحزبهم وانقسامهم.

نعم، المسلمون في غير جماعة أحسن حالاً من جماعاتٍ متناحرةٍ، تدعي كلٌ منها لنفسها الصواب، وقد تكفر إحداها الأخرى.. بل إن جماعةً ضالةً تماماً تقاتل المسلمين حالياً، وتمعن في قتلهم بالحرق تارةً وبالتعذيب تارةً أخرى، وفي نفس الوقت تترك من يقذف المسلمين بالقنابل والصواريخ يكمل مهمته سالماً آمناً أثناء قتله لإخوانهم.. إنه العمى وليس مجرد العوار الفكري.. إنه السواد قد طمس على قلوبهم فأعمى البصر والبصيرة..!

وفي أوروبا نجد أن الوضع لا يختلف كثيراً، ففي ألمانيا مثلاً توجد أربعة اتحاداتٌ مختلفةٌ، كلٌ منها يدعي تمثيل المسلمين رغم أن غالبية المسلمين لا يعرفونها جميعاً ابتداءً..!

وعلى هذا النهج تسير أيضاً غالبية مساجدنا، ففيها إداراتٌ متنازعةٌ، لدرجة أنني سمعت أن أحد رؤساء مسجدٍ شهيرٍ في مدينتنا يقول بأنه يريد أن ينجز المهمة الفلانية، ليس لله، لكن استعداداً منه لانتخابات الرئاسة القادمة، بعد سنةٍ كاملةٍ يا إخوة..! ألهذا الحد أنستنا المناصب والرئاسات المزعومة صالح المسلمين؟!
أولادنا على شفا الإلحاد وأسرنا في أشد المعاناة وأنت تهتم بمنصبٍ لا يجذب حتى اهتمام الأطفال؟!

إن كثيراً، لا بل غالبية إدارات مساجدنا في أوروبا يتنازعها أناسٌ ظنوا أنه ليس عليهم سوى تنظيم جمع التبرعات وإقامة الصلوات وفقط..!! رغم أننا لا زلنا نعقد عليهم الأمل أن يتقدموا ويكونوا أوعى وأعقل من قادتنا في الدول العربية الذين اتفقوا على ألا يتفقوا..!!

لقد وصفنا في أكثر من موقف حال المسلمين في الغرب حالياً بأنه كحالهم في صدر الإسلام في كثيرٍ من النواحي، وبينا أنهم أبعد ما يكونون بحاجةِ إلى ثمة تياراتٍ يتبعونها، أو جماعةٍ ينتمون إليها.

ولنكون منصفين، علينا ألا نصدِّر لكم رأياً دونما توضيحٍ لأسبابه، هكذا علمنا الإسلام، فلا ديكتاتورية ولا فرض للرأي.. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.. فرض الرأي، وقد بحثنا -فيما نعرف- في التوجهات والجماعات الإسلامية فوجدناها تعاني مرض الديكتاتورية أشد من الأحزاب العفنة في بلادنا.. انظر مثلاً إلى ما يسمونها أكبر جماعة في العالم الإسلامي، والذين كثر أتباعهم إلى درجة جعلتهم يتخيلون أنهم أهلٌ لقيادة المسلمين في مرحلة الربيع العربي كما يسمونه، فكانوا للأسف هم الطامة الكبرى للعرب فيه، لأنهم أداروا الأمر كإدارتهم لمدارسهم، غير واعين ولا مدركين لما حولهم.

ثم لندقق يا إخوة في هيكليتهم قليلاً.. إنكم ترون فيهم كبار السن، الطاعنين فيه، هم الأكثر رغبةً وتمسكاً بالقيادة، فلا نعلم قائداً عاماً لهم تنازل عن القيادة للجيل الأصغر طواعيةً إلا واحداً فقط كان يعيش بيننا هنا في ألمانيا من قبل، فكان يتمتع بفكرٍ ديموقراطيٍ صحيحٍ.. لكن الباقين أمسكوا ويمسكون بتلابيب السلطة في جماعتهم إلى أبد الآبدين، نعم.. حتى خروج الروح من أجسادهم، ولو استطاعوا أن يحكموا إخوانهم بعد صعود الروح إلى بارئها لما ترددوا في فعل ذلك..!!

وقد عجبت شخصياً لهم، حين أصروا على إملاء فقرةٍ في الدستور قبل أن يحكموا، كانت تتعلق بألا يزيد حكم الرئيس بعد الربيع العربي عن فترتين رئاسيتين، فضحكت حينها كثيراً، وتساءلت: كيف يصرون على هذه الفقرة الجميلة، وهم أول أناسٍ لا ينفذونها في هيكلهم الداخلي؟! إنهم يقدسون كبار السن كما قدس أجدادهم الفرعون، ويخلطون بين احترام الكبير سناً وبين إمكاناته الحقيقية واستحقاقه للقيادة، فكلما طعن الرجل في السن، كلما كان ذلك أحد أهم أسباب تأكيد بقائه الأبدي في القيادة.

على الصعيد الآخر نجد أن هذه الجماعة -رغم ما فيها من قاماتٍ وأساتذةٍ جامعيين كبار- لا تدرك في كثيرٍ من الأحوال حقيقة الموقف من حولها، وتتصور أن إدارة الدولة أشبه ما تكون بإدارةٍ أسرةٍ من أسرهم في الأحياء لا أكثر.. لكن يبقى الأسوأ في الأمر أنهم يصمون آذانهم عن سماع النصح من غيرهم، وكأنهم الوحيدون أصحاب الفكر، أو لربما استأثروا لأنفسهم بالوكالة الحصرية للحق في الدولة..!!

صحيحٌ أنهم شرفاء وليسوا بلصوصٍ، لكنهم أيضاً ليسوا بالواعين بالمعطيات الآنية.. ألا ترون أنهم قد أخفقوا وبكل جدارةٍ في تقديرهم لدخول الانتخابات وتصدرهم للمشهد غير المهيأ أساساً وهم لا يملكون المقومات الضرورية الضامنة له؟

وختاماً لقصتهم المؤلمة.. نراهم الآن يتنازعون القيادة فيما بينهم.. هذا يصدر بياناتٍ ضد ذاك، وذاك يدعي لنفسه الزعامة ويفصل خصمه من الجماعة، وهم في مشهدٍ لا يختلف كثيراً عن حال إدارات المساجد الأوربية المؤلم جداً.

.. ..

إخوتي الكرام.. إننا إن تتبعنا جميع الجماعات لوجدنا فيها مآسٍ كثيرةً، وإذا كان هذا هو حال أكثرها انتشاراً، فما بالنا بحركةٍ أخرى خليجية، تحالفت مع ساسة منطقتها في توجههم إلى الشرق كليةً، ثم إلى النقيض تماماً حالياً؟.. إنهم يصدرون الفتاوى حسب أهواء الحاكم، ثم يأتي مفتيهم ليحكم علينا بأن الحياة في أوروبا حرامٌ كما يدعي، معللاً ذلك بعدم الأمن على النفس والدين.. وقد نسيَ أنه هو نفسه لا يأمن على نفسه ودينه من الحاكم الذي يتملقه بفتواه، وها هم اليوم كالخرسى لا نسمع لهم صوتاً، ولا نرى لهم حراكاً، بعد أن كانوا يتحكمون حتى في ملبس النساء ويضربونهن بالعصي في الأسواق، على اعتبار أنهم وكلاء الفضيلة في البلاد.. واليوم لا نراهم إلا في جحورهم يختبئون رغم المجون الذي كانوا يمعنون في القسوة على الناس بسببه، فقد كانوا لا يطبقون إلا القليل من آية الدعوة التي أوردناها في صدر الخطبة، وهي التي أمر الله فيها نبيه -ونحن معه- بالإحسان قائلاً:

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)..

إننا نرفض يا إخوة رفضاً كلياً أن نكون تابعين لإحدى هذه الجماعات، ونرفض أصلاً أن يكون لدينا جماعاتٍ، بل نؤكد إضافةً لذلك وبكل وضوحٍ أننا نرفض الإبقاء على أي اتحادات أو جمعيات، في حال ثبت أنها لا زالت تتلقى أي دعمٍ خارجيٍ ولو سنتاً واحداً.. ذلك أن أي دعمٍ من أي دولةٍ إنما يكون مشروطاً، وله دوافعه التي لا تراعي مصلحة المسلمين العامة.. فقط نرحب بالتمويل الذاتي أو التمويل المستمد من الضرائب، شريطة ألا يكون مشروطاً إلا باحترام الدستور والقانون لا أكثر ولا أقل.. نرفض تماماً أن يمليَ موظفٌ حكوميٌ علينا رأيه فيما يجب أن نفعل وما لا يجب، فالمحاكم هي فقط التي تقرر مدى احترامنا للدستور والقانون، ولا وصاية غير ذلك.

نسأل الله أن يلهمنا الصواب، وأن يثبتنا على الحق، وأن يمنعنا من ادعاء احتكاره، فاللهم فأعنا على أنفسنا كي نستيقظ لمكر أعدائنا، أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

 


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم
أما بعد.. 

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى سريعاً عن الجماعات الإسلامية ولمن يجب أن تكون التبعية، ووصلنا في النهاية إلى أنه لا جماعةً تستحق، ولا حالٌ يقتضي أساساً وجود جماعةٍ، ورفضنا بكل وضوحٍ الاتحادات والجمعيات التي تتلقى أي دعمٍ من خارج أوروبا، حكومياَ كان أو غير حكوميٍ.

وفي الخطبة الثانية نود تناول موضوعٍ يتصل بقرينه في الخطبة الأولى، ألا وهو من يمثل المسلمين في ألمانيا؟ 

الحق أن هذا الأمر يبدو في ظاهره شائكاً، لكن حله سهلٌ للغاية، وقبل أن نتحدث عن الحل يجب أن نوضح أن نشأة هذه الاتحادات كانت لأسبابٍ مختلفةٍ، منها ما يتصل بجماعاتٍ ومنها ما يتصل بحكوماتٍ وغير ذلك، لذا فإن أسباب نشأتها في نظرنا هي أسباب رفضنا لها أساساً.

فكيف يكون الحل الأمثل من وجهة نظرنا الضيقة؟

الحل هو الديموقراطية المحضة، بمعنى أن ننتخب من يمثل المسلمين، تماماً كما ننتخب من يمثلنا في البرلمان والهيئات السياسية.. وأي حلولٍ غير ذلك ستضطرنا إلى موائماتٍ لا نرغب بوجودها بيننا.

إذا أردنا أن نحترم دستور البلاد، فعلينا أن نتوافق معه، وإنما يكون ذلك بانتخاب مجلس المسلمين، وبالإشراف على هذه الانتخابات من الجميع تماماً كما نفعل ويفعل غيرنا في الانتخابات العامة.. أما أن يتفق البعض فيما بينهم على افتتاح مكتبٍ وتسميته بالاتحاد الفلاني، وجذب بعض المساجد له، فهذا غير مقبول ولا نقبل لهذه الاتحادات أن تدعيَ تمثيلنا.

وقد يقول قائلٌ بأن هذا حقٌ أريد به باطل، أو ربما يكون متواضعاً بعض الشيء فيقول بأن المرشحين لتمثيل المسلمين لن يتمكنوا من توصيل رؤيتهم لسواد المسلمين في ألمانيا كي يمكنهم أن يختاروا من يمثلهم عن بصيرة.

وهنا نرد بأنه يجب أن تتيح الجهة المنظمة للانتخابات لجميع المرشحين أن يعلنوا رؤيتهم عبر قنواتها أو قنوات وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت عموماً، ويمكن هنا استنساخ النظام الانتخابي المحلي، دون أن نعقد الأمور أو ندعها تطول بنا حتى نتفق على ألا نتفق ثانيةً كما يفعل ساستنا.. بل سنقبل لانتخاب مجلس المسلمين هذا نفس ما نقبله لانتخاب المسئولين السياسيين في الدولة.

 

فهل هذا الحل أفضل؟ أم نظل متفرقين بين اتحاداتٍ متنازعةٍ على مشهد الصدارة رغم أن أغلبنا لم يسمع حتى عن مجرد اسمها؟

إن انتخاب مثل هذا المجلس سيقضي على أمال أي جماعةٍ أو اتحادٍ يرغب في الزعامة، وسيؤدي بنا إلى ما أدى البرلمان الاتحادي بالدولة إليه.
دعونا نمارس الديموقراطية الحقة فيما بيننا، ثم نكتفي بكوننا إخوةٌ في الإسلام بعد ذلك، دونما عداواتٍ أو نزاعاتٍ، ونقبل بالرأي الآخر عن طيب خاطرٍ لو فاز، تماماً كما نفعل في حياتنا اليومية.

لا أعتقد يا إخوة أن هذا يضير أحداً منا، وليكن هدفنا هو رفض جميع الأجندات الخارجية.

ولا يجب أن نخشى هنا إرهاب الإعلام الذي بدأ يتحدث عن تكوين المسلمين لمجتمعٍ موازٍ في الدولة، فإنما نحن جزءٌ لا يتجزأ منها، ويسري علينا ما يسري على نصرانيها ويهودها، فإذا كان للنصارى ولليهود الحق في انتخاب من يمثلهم، وأن يعيشوا دينهم بكل حريةٍ دونما اعتداءِ على حرية الآخرين، فنحن لا نريد الاختلاف عنهم، كما لا نريد أن يتم تحريم أمرٍ علينا هو مباح لهم.

 

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا:

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا واصرف اللهم عنا برحمتك شر ما قضيت.. 

اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل، وكره إلينا معصيتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل.

اللهم اجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، واجعل أسعد أيامنا يوم أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم كن لإخواننا المظلومين، وارفق بهم وهَوّن عليهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم عجل للحق بنصرك المبين، وثبتنا عليه بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لك يا رب العالمين.

أربعاء 09 فبراير 2022

عرض التفاصيل
الاكتئاب

الاكتئاب

عباد الله: 

تعاهدنا معكم أن نتناول في خطبنا المشاكل اللصيقة التي تحيط بنا جميعاً في مجتمعنا في البلاد الغربية، ذلك أن إعادة اجترار نفس المواضيع الموسمية كل عام لا يتناسب مع متطلباتنا الملحة الحالية.. بل إن استيراد الخطب من علماء وفقهاء لا يعيشون معنا لا يتناسب كذلك مع شرط العلم بأحوال المستفتي كما ينص الشرع الحنيف أن يكون المفتي على درايةٍ وثيقةٍ بها.

لذا فإن موضوعنا اليوم هو أيضاً خارج سياق المألوف من الخطب، لأنه يتحدث عن مشكلة مجتمعيةٍ حادةٍ يقع فيها أغلب من يقيم في هذه البلاد، ألا وهي الاكتئاب، والذي يلقبونه في الطب (بمدخل إلى الدائرة الشيطانية)، والسبب في هذه التسمية هو أنه يحتاج إلى أدويةٍ تحسن أعراضه، لكنها تضيف أعراضاً أخرى كثيراً ما تزيد من مسببات حالة الاكتئاب نفسها، مثل أن يزداد المصاب في الوزن، فيكون ذلك سبباً جديداً لاكتئابه، وهكذا.

يقيناً لسنا في درسٍ طبيٍ أو جلسة علاجٍ نفسي.. لكن حديثنا اليوم به بعض الجوانب الطبية والتي لا مناص من الحديث عنها حين نتناول مثل هذه الموضوعات الحساسة والمتفشية بين غالبيتنا.

وإذا ما أوجزنا عن الأسباب الجديدة التي نجدها محفزةً على الاكتئاب هنا في هذه البلاد، فإننا نجدها باختصار:

أولاً: رمادية الشتاء، والتي تعتبر طبياً من العوامل المساعدة على ذلك، فالتعرض للضوء يعتبر مساعداً على الشفاء من الاكتئاب، ونقص الضوء يساعد على زيادته.

ثانياً: حقيقة وجود المشاكل اللغوية بكثرةٍ بيننا، لا سيما بين الكهول مننا، وهم من تجاوزوا الأربعين.

ثالثاً: نسبة البطالة الكبيرة، التي تشعر الواحد منا أنه أصبح لا قيمة له في المجتمع، بعد أن كان يصول ويجول في بلاده قبل أن تلجئه الظروف إلى الحياة هنا.

رابعا: أثر انتشار مرض كورونا على قلة التواصل بين الناس وما صاحب ذلك من تضييقات.

 

فهل هذا يعد وضعاً قائماً لا مجال للفرار منه؟

إن من يقول بذلك لا يفقه حقيقة الإسلام، ولا يدرك ما رواه لنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه، حين قال: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً).. وقد زاد الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أسامة بن شَريكٍ عن الدواء قوله صلى الله عليه وسلم: (علمه من علمه وجهله من جهله)..

 

 إن علاج مشكلة الاكتئاب -التي نكاد نراها في كل أسرةٍ تقريباً يا إخوة- إنما يرتكز في رأينا الديني والطبي على خمسة محاور، هي:

أولاً: أن تثق في الله، وأن تمتلئ أملاً به.. وهذه موجودة لدى الجميع، لكنها فقط تحتاج إلى بعض التنشيط الحقيقي داخلنا بما يكفي لاحتياجاتنا الفعلية.

ثانياً: أن تدرك أن الحل بيدك، لا بيد غيرك.. فابتلاء الله لك، لا لغيرك، وقديماً قالوا ما حك جلدك مثل ظفرك.

ثالثاً: أن تزيد من نشاطك الاجتماعي بكثافةٍ كما أمرك الله، ودونما ثمة تقصيرٍ، وليس داخل أسرتك الصغيرة فقط.. ونحن وإخوانك معك ونساعدك.

رابعاً: أن تزيد من حركتك ونشاطك الرياضي.

وخامساً: أن تزيد من تعرضك للضوء الذي هو من مباهج الحياة.

وسنتناول فيما تبقى من الخطبة الأولى الثلاثة الأوائل..

 

أخي الكريم..

لو سلمنا أنا وأنت ابتداءً أنه لا علاج لهذه الدائرة الشيطانية الصعبة، فقد يئسنا، واليأس ليس من صفات المؤمنين الواثقين بالله، بل الأمل هو من أهم صفات إيماننا.. وهذه هي بداية طريق العلاج الصحيح.. أن تكون مفعماً بالأمل في الله، ممتلئاً بداخلك ثقةً به.. تاركاً أمرك كله لمن عليه التكلان، فقط علينا السعي، وعلى خالقنا ومالكنا النتيجة، فهو يحب أن يساعدك، لكن بشرط أن يرى فيكَ ثقةً فيه سبحانه، فمن من الملوك يرغب في مساعدة عبدٍ يشكك في قدرات الملك ويركن إلى قدرات العبيد؟!

لكن مهلاً أخي الكريم.. فهذا ليس كل ما في الأمر.. الموضوع لا يُحل فقط بالتوكل على الخالق، فهو نفسه الذي نبه على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوضح لك الحل في قوله: (اعقلها وتوكل).. أي أن عليك أولاً أن تعقلها، بمعنى أن تأخذ بالأسباب، وهنا لنا وقفة.. فما هي الأسباب التي لا نأخذ بها في واقعنا الحالي، ونضطر حينها إلى الاكتواء بنار الاكتئاب عوضاً عنها؟ ابحث عنها جيداً، واجعلها مهمتك الأولى.

واعلم يا أخي -حماك الله- أن من أقوى أسباب الاكتئاب هو أن تركن إلى غيرك، فالحل فقط بيدك بعد خالقك.. وإن انتظرت أن يشفق عليك الغير، فقد تنتظر طويلاً جداً، لأنه لن يقتنع غيرك بمساعدتك ابتداءً، بل سيظن أنك تتدلل على مَن حولك، وتريد منهم التنازلات وفقط، وهو لا يدرك أنك مريضٌ فعلاً، ولن يشعر بألمك قدر نفسك.. فهل تظن أن الله قد جعل حلك بيد غيرك الذي لا يشعر بك؟ حاشا لله أن يفعل بك هذا.

ثم لنكن منصفين، فمن منا لديه تلك الطاقة الجبارة التي تكفي لحل مشاكله كاملةً وتفيض لكي يحل لك مشاكلك؟!

لو رأيت هذا الإنسان، فلا تفلته من يدك أبداً، فإنما هو ملاكٌ بكل تأكيد..!!

تتخيل أنك لا تستطيع مواجهة مشكلتك بنفسك؟ لا يا أخي الكريم.. فقط ارجع إلى قوله تعالى: ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها))، وحينها ستعلم أنك قادرٌ على حل مشكلتك فعلاً بنفسك، بنص الآية الكريمة.

لكنك ربما تكون ممن قال فيهم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (علمه من علمه، وجهله من جهله)، أي أنك قد تجهل الحل، وهنا عليك أن تبحث عنه.. واعلم أنك مأجورٌ على مجرد بحثك عن الحل، فما بالك لو وجدته وأجدت في الامتحان الذي وضعك الله فيه؟

حينها سنهنئك مرتين، الأولى للشفاء من هذا الداء الكئيب، والثانية لعظم الثواب الذي حصلت عليه لسعيك الدؤوب في حل مشكلتك والتفوق في ابتلاء ربك لك.

ثم، إنك لست وحدك، فإخوتك معك، يمدون أيديهم لك، جميعنا نستطيع مساعدة بعضنا البعض، فقط نشترك ونشارك معاً في أنشطتنا المجتمعية التي حددها لنا الإسلام كي يساعدنا على حياتنا وما بها من مشاكل كهذه.. وإلا فلماذا تظن أن الله قد جعل لنا الجمعة والأعياد والعديد من الفرص والمناسبات؟ ولماذا شدد الله على صلة الرحم، وقال بأنه قد اشتق اسمها من اسمه سبحانه وتعالى؟ ولماذا أكد رسولنا على التزاور وعيادة المريض وغيره.. ألم ترَ يا رجل أن الإمام في المسجد يُسَن له أن يؤخر الصلاة حين يراك قد تأخرت عنها وأنت الراتب المواظب معه؟ لماذا ينتظرك؟ لأنك مهمٌ في هذا المجتمع الذي بذلت أنت مجهوداً مجتمعياً فيه من قبل.. فلا تنسلخ أخي أبداً عن شدة التواصل مع مجتمعك.

لماذا كل هذا؟ لأن الإسلام هو الدين الأول في العالم الذي يراعي النفس، ويعمل على أن تكون في أفضل حالاتها.. لقد أمرك الله أن تترك طائرتك وأنت ذاهبٌ لفريضة الحج التي جمعت لها أموالاً ضخمة كي تؤدي خامس ركنٍ في الإسلام، أمرك أن تترك كل ذلك، لمجرد أن تطلبك أمك إلى جوارها.. فأي الأديان يراعي النفوس كديننا؟!!

قد ترى هذا كثيراً، ويخيل لك الشيطان أنك ستخسر كذا وكذا لو أنت أطعت الله ونفذت كل هذه الأخلاق والشيم التي يعدها العالم في أعلى وأرقى مراتب الأخلاق، حتى أن العالم يراها أكثر من كونها مثاليةً.. وأنت قد تستجيبَ لشيطانك اللئيم، فتتنازل عن هذا الرقي، وتخاف على مصالحك الدنيوية، وتظنها أهم.. وقد أنساك الشيطان أن الدنيا كلها ملكٌ للرحمن الذي أمرك بكل هذا.. فهل تظنه يأمرك وينساك؟

إياك يا أخي أن تتفلسف وترفض هذا وتتحجج في ذاك، فإن أنت فعلت ذلك، فلا تنتظر إلا اعوجاجاً وسقماً، فلن تستقيم لك الحياة لأنك رفضتَ خطة الخالق التي وضعها لك لتفلح في معترك الحياة وابتلاءاتها، وظننت أن هذه كلها رفاهياتٌ زائدةٌ، لا قيمة لها.. وعليك الآن أن تتحمل نتيجة تعاليك هذا على حلول الإسلام للحياة.

 

إخوة الإسلام.. علينا أن نمد أيدينا إلى بعضنا كما أوضحت قبل قليل، علينا أن نلجأ إلى تقوية علاقاتنا مع بعضنا البعض، إياكم أن تهربوا من التقارب فيما بينكم، سيصور لكم الشيطان أن جميع البشر غير مناسبين لكم، أو أنهم لا يستحقون منكم كل هذا الخير.. وهذا في حد ذاته صحيحٌ جزئياً، فالناس ليسوا بملائكة، ليسوا مثاليين يستحقون كل خير، بل أنت أخي الذي تكرمهم لأنك تعلمت الكرم من خالقك الذي أمرك بالتواصل معهم والإحسان إليهم.. فإياك مرةً أخرى أن يخدعك الشيطان بأفكاره الساذجة، وعندما تجد ما يمنعك عن الخير، قف وتمعن قليلاً.. وعندها ستجد الرد على شيطانك بسيطاً.. أنا لا أزور أخي لأنه زارني من قبل، ولا أكرمه لأنه كريم، بل لأن الكريم هو من أمرني بذلك.. وحينها ستجد أنك تتحلى بأرقى الأخلاق في العالم، ولن يكون للاكتئاب مكانٌ في قلبك.

وأرجوك مرةً أخرة أخي الكريم ألا تظن أن هذا فضلٌ منك لا يجب عليك فعله، وأن إمكانياتك لا تسمح به.. فقد كانت المرأة في البادية لا تملك إلا شاةً هزيلةً، لا لبن فيها، وقد نزل بها رسول الله ومن معه، فأين لها أن تكرم كل هذا العدد وهي لا تكاد تكفي نفسَها؟! أليس هذا كان سيكون سؤالك لو كنت في مثل موقفها؟

لقد تركَت الأمر لله، وعلمَت أنه سيدبر لها الحل، ما دامت أنها تعمل وفق أوامره.. ثم جاء فعلاً الحل من عند الله، بأن مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على ضرع الشاة، فامتلأ باللبن، وشرب الجميع، وفاض الباقي.. لقد أحسنت المرأة الظن بالله فأحسن الله إليها.. فهل يمكنك أن تفعل مثلها؟ صحيحٌ لن يأتي إليك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ليحل لك المشكلة، لكن سيأتيك رسلٌ آخرون من الله، سواء كانوا في هيئة بشرٍ أو حتى جماد.. المهم أن تكون مع الله أكثر، ليكن الله معك أكثر.

 

نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا، اللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

 

===========================


 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

أما بعد.. 

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى عن ثلاثة محاور للشفاء، كانت زيادة الثقة بالله، وإدراك أن الحل بيدك لا بيد غيرك، ثم ضرورة زيادة العلاقات المجتمعية خارج الأسرة.

بقي لنا في هذه الخطبة أن نتناول آخر اثنين من العوامل الخمسة المطروحة للحل، وأن نختم بزيادة الفضل السادسة إن أردتم.

إخوتي الكرام.. الشفاء من وجهة نظرنا يتطلب خمسة أو ستة عوامل، لكنه من وجهة النظر الطبية يتطلب ثلاثة فقط، جمعها الأطباء العرب في اختصار أسموه (حضن)، أي اختصار الكلمات الثلاثة: حركة، ضوء، ناس.

أما وقد تناولنا الناس في آخر خطبتنا الأولى وأكدنا حينها على الضرورة القصوى لزيادة العلاقات المجتمعية خارج الأسرة، فإنه يتبقى لنا الآن محوران:

الحركة والضوء.. ونحمد الله أننا نعيش هنا بين طبيعةٍ خلابةٍ يحسدنا القاصي والداني عليها، بل يأتي إليها أغنياء بلادنا الأم كل عامٍ، فقط كي يمتعوا أعينهم برؤية هذه الطبيعة الجميلة من حولنا.. والأجمل من ذلك أننا نجد المجتمع هنا واعياً لأهمية الرياضة، ممارساً لها بشكلٍ يوميٍ، بل إنك تكاد ترى الغالبية منهم يرفضون حتى استخدام المصعد في أماكن سكنهم، ويفضلون صعود السلم كجزءٍ من الرياضة الواجبة عليهم.. فهل ترى نفسك أقل منهم؟ 

عليك أن تقارن، تماماً كما يسأل أحد من نعرفهم من أشهر الأطباء العرب مرضاه ناصحاً: هل تريد دواءً يحل لك مشكلة الحركة، ويزيد من مشاكل أخرى؟ وتظل متنقلاً بين الأطباء والمستشفيات؟

أم أنك تستوعب أن مجرد الحركة فعلاً ستحل لك مشاكل عديدة؟ ستتلاشى أمراض الضغط والمفاصل والسكري، وستكون كلمة اكتئاب جد غريبةٍ عليك حينها.. ألا ترى معي أن هذه الأمراض فعلاً يعاني منها الكبار الذين يرفضون الحركة؟ فلماذا نقبل أن نكون منهم؟!

الحركة لن تحل لك مشكلة الاكتئاب وحدها، بل ستفيدك مباشرةً في مشاكل أخرى جمة.. صدق أو لا تصدق..!!

أما آخر العناصر فهو أسهلها، وهو أن تعرض نفسك للضوء ما أمكن، لا سيما في الصيف الجميل لهذه البلاد، والذي يطول حتى تكاد تتساءل متى ينتهي النهار؟!

ولو دمجت الحركة مع التعرض للضوء فستكون من أسعد الناس وأبعدهم عن الاكتئاب.. جرب ولن تجني إلا الفوائد فقط، إن شاء الله تعالى.

وأخيراً وختاماً بعد هذه العوامل الخمسة نذكر زيادة الفضل، وهي أن علينا أن نحل مشكلة البطالة فيما بيننا، والحق أنها زيادة فضلٍ في رأينا لأنها الأصعب بينهم جميعاً.. فحلها يتطلب تضافر الجهود الشخصية والمجتمعية والحكومية.. كأن نحل مشكلة ضعف مستوى اللغة أولاً، وقد قدمنا لكم فيه مساهمتنا في إتاحة دورات اللغة للأمهات، على أن نراعي أطفالهن أثناء الدروس.

ثم نرى بعد ذلك ضرورة أن يتجه المرء في السن الكبيرة مباشرةً إلى العمل الخاص، بعد استحضار عوامل النجاح وإتقان اختيار المجال الذي لا يتسبب في خسائر ماديةٍ على الأغلب.. وهنا نعد لكم خلال أسابيعَ قليلةٍ ندوةً عن ذلك.

هذا ما استطعنا تقديمه لكم اليوم، وندعو الله أن يعيننا جميعاً على حل مشاكلنا، شكر الله للراغبين والقائمين على حلها، على السواء.

 

وهنا نقف ونختم حديثنا بلا إطالة، ونترك لكم القرار.. 

نسأل الله أن يعيننا وإياكم على مهامنا، وأن يهدينا وإياكم سبيل الرشاد....

أربعاء 09 فبراير 2022

عرض التفاصيل
الخوف من الحرية

الخوف من الحرية

عباد الله: 

حديثنا قد يكون مناسباً لمقالٍ في جريدةٍ أو حتى لكتابٍ ملفتٍ للأنظار.. لكننا سنسعى في خطبة اليوم لتحليل بعض سلوكيات المسلمين في الغرب، التي يكتسي كثيرٌ منها بلباس الخوف، والذي للأسف لا يزال مسيطراً على جزءٍ منا ويتحكم في تصرفاتنا، حتى صرنا نرفض غيره.. فلو عرضت على بعضنا الحرية سيرفضها رفضاً قاطعاً، وهذا هو ما وجدناه واضحاً للعيان في العديد من المواقف مؤخراً.

 

بدايةً الخوف من البشر هو سلوكٌ سلبيٌ، بل حتى مالك الكون لا يريدك بالدرجة الأولى خائفاً منه، فالرجاء عند الله أولى وأعلى مكانةً من الخوف منه.. وها هو سيدنا آدم لم يخَف في الجنة أن يأكل من الشجرة المحرمة، لأن الخوف لا مكان له في الجنة، ولا يجب أن يكون المحرك الأوحد لنا في الحياة.

انظر معي إلى طريق الأنبياء والصالحين الذي بينه الله تعالى في كتابه في سورة الأنبياء، فبعد أن ذكر الله عدداً منهم قال:  ((إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ))

فقدم رغباً قبل رهباً.. نعم، الإسلام ليس مبنياً على الخوف المحض كما العديد من الأديان غير السماوية، وكما يفعل أهل الديكتاتورية في شعوبهم.. ولا أتحدث هنا عن بعض أو كثيرٍ من زعماء العرب المزعومين، بل أيضاً هنا في الغرب يوجد ديكتاتوريون ينتظرون فقط الفرصة، والتاريخ مفعمٌ بقصصهم، بل حديثاً ربح أحدهم انتخابات أكبر دولة والمفترض أنها الأكثر حريةً بمجرد نشره فكرة الخوف بين جماهيره، فاستخدم سلاح الخوف من الغير ليفوز بأصوات الناس الخائفين، إذ صور لهم أنه هو من سيأتي ليحميهم.. وللأسف الشديد فإنه على الرغم من بساطة هذه الفكرة وسذاجتها الفائقة والتي لا ترقى حتى لأن تكون فكرةً لفيلمٍ كرتونيٍ لصغار الأطفال، إلا أنه واقعٌ يقبله بل ويستسيغه الكبار.

لكن لنعد إلى قومنا وأمتنا.. فالواقع المؤلم يؤكد لنا أن غالبيتنا قد تربت على الخوف، في البيت كما خارجه، حتى أننا أصبحنا نحب العبودية لغير الله مهما تبين لنا أنها باطلة وأن ما نجله ليس إلا ديكتاتوراً محضاً.. انظروا إلى شعوبنا العربية، حين مات الملك فيصل لم يحزنوا كثيراً لأنه كان يحاول أن يكون عادلاً ولا خوف منه، لكن حين مات حافظ الأسد حزنوا جداً وأغلقت المحال أبوابها واعتزل الناس مظاهر الحياة، وكأنهم قلقون على أنفسهم من بعده..! وغيره كثيرون، التاريخ مليء، لكننا كنا قد وعدنا ألا نتحدث في سياسة الدول العربية ولهذا السبب لا نريد أن نسهب في هذه القصص التاريخية مهما كانت هامة.

ولنترك القصص التاريخية ونعود إلى حاضرنا المعاصر، وسأروي لكم موقفاً حدث مع أحدكم قبل أيام، لتدركوا مدى الرعب الذي بداخل بعضكم دونما سبب..!!

فقبل أيامٍ قليلةٍ أعلنا أننا بحاجةٍ إلى متطوعين ليشرفوا على النشاط الرياضي في عدة مدنٍ أخرى بخلاف دوسلدورف، وكان دورنا سيقتصر على استئجار الصالات الرياضية وتوفيرها بالمجان للمسلمات اللاتي لا يجدن مكاناً يمارسن فيه الرياضة بحريةٍ نظراً للحجاب الذي يرتدينه.. فجاءتنا بعض الاتصالات من الراغبين في التطوع والإشراف، وتحدثت مع أحدهم، وهو الذي بدا متحمساً للغاية، وأعرب عن أمله في المشاركة في أكثر من نشاطٍ لنا في مدينته دويسبورج.. فقلت له يا أخي إننا نعمل على توحيد كلمة المسلمين، لكن مع الالتزام الكامل بالقوانين الألمانية، وهدفنا هو أن يأخذ المسلمون حقوقهم دونما زيادةٍ أو نقصان، ورؤيتنا ببساطة تنعكس على عدة أنشطة، منها مثلاً أن يتوحد المسلمون في مدينتكم في صلاة العيد، فتدرك إدارة المدينة حجم المسلمين واتفاقهم أخيراً على قلب رجلٍ واحدٍ، فتلبي رغباتهم لاحتياج ساستهم لأصوات المسلمين.. هكذا بالضبط كان الحديث، ولم أزد.. لكن الرد كان حاسماً من الطرف الآخر، لقد أغلق الحديث وقاطعنا تماماً.. وكأننا رهطٌ من الإرهابيين نريد تجنيده..!!

إنه الخوف يا سادة.. الخوف الذي زرعوه فينا طيلة عشرات السنين، فأصبحنا لا نرى غير ما يريدوننا أن نراه.. وهنا أستحضر تلك القصة المضحكة المبكية، التي يتندر بها الناس عن أحد الدكتاتوريين العرب الراحلين، حين كان يدرب ابنه ويقول له: دوخ شعبك، يكن مثل صغار الدجاج، إن دوختهم في القفص لن يرغبوا في الخروج منه ولو تركت لهم الباب مفتوحاً طيلة الوقت..!!

 

يا الله.. لقد صدق الرجل، فهذا هو حالنا بالفعل.. حتى بعد أن تركوا أوطانهم لا يزال الرعب يملؤهم، ويستعذبون لعب دور الضحية دوماً.. فالدولة هنا تتيح لنا عديد الفرص، ويبقى فقط أن نطلبها، لكننا لا نطلبها، لأننا لا زلنا نعيش المثل الذي علمونا إياه وحفروه بأذهاننا بأن العين لا تعلو فوق الحاجب، وأفهمونا أننا عبيدٌ نتلقى الأوامر فقط، ولا يجب حتى أن ننظر أمامنا، فنحن لسنا إلا منقادون كما يريدون لنا.

فهل نحن فعلاً خائفون من الحرية؟

الغريب يا إخوة أن مرض الخوف من الحرية يزداد ويستفحل مع مرور الوقت كما السرطان أعاذكم الله.. فكلما كان الشخص طاعناً في السن، كلما تمكن منه المرض و وجدتَه خائفاً من الحرية.. فلو نظرنا إلى مواطني الدول العربية، ستجد أن أكثرهم معارضةً للثورات والحرية، هم كبار السن، وستجدهم مرضى بمعنى الكلمة، وكأنهم مسحورون والله.. ستجد الأب مستعداً للإبلاغ عن ابنه إن وجد فيه ميلاً للحرية..!!

و والله يا إخوة لا أبالغ فيما أقول، فقد رأيت كثيراً من هؤلاء الآباء، يتصرفون وكأنهم مخبرون في جهاز أمن الدولة أو بالأحرى جهاز أمن الحاكم.. بل سمعت بأذني قصصاً من بعض الفقراء يتباهون بإبلاغهم عن فلان لأنه كان من أهل الخير وكان يعطيهم من الصدقة والزكاة، فقُبِضَ عليه بالفعل.. إنهم كالمجانين يتباهون بجنونهم، لقد صُعقتُ مما رأيت وسمعت، وأدركت أن هؤلاء لم يعودوا بشراً عاديين، بل مسخاً على شاكلة البشر من الخارج فقط وأنهم باتوا كمن تم تنويمهم مغناطيسياً، يفعلون ما يراد منهم فقط، وبدون أدنى تفكيرٍ قط.. فعدت أدراجي إلى ألمانيا وأنا أحمد الله أنني قد نجوتُ من أن أكون من هذا المسخ البشري.

 

نسأل الله أن يعنا على أنفسنا، اللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

 


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم
أما بعد.. 

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى عن مدى تفشي مرض الخوف من الحرية فينا كعرب، وعرفنا أنه كلما دوَّخ الزعيم المزعوم شعبه، كلما أطاعوه وخافوا من الخروج من القفص ولو كان مفتوحاً طيلة الوقت.

لكن المشكلة تكمن في أننا لا نريد أن نعيد الكرة هنا ثانيةً، والواضح للعيان أنها يمكن أن تتكرر هنا معنا، مهما كانت الدولة ديموقراطيةً.. فها هي فرنسا التي تتشدق بالديموقراطية، تضيق على المسلمين بشدةٍ، لأنه لا أحد فيها يدافع عنهم، ولأنهم ارتضَوا ذلك وظنوه الطبيعة التي يجب أن يرضخوا لها كما كانوا في بلادهم يفعلون.

فهل نستمر في غَيِّنا وننتظر بكل رضى دورنا عند المقصلة التاريخية؟

إن أولادَنا لن يرحمونا، لأنهم لن يروه طبيعياً ما ترونه أنتم اليوم عادياً.. ثم إننا لا نطالب بثمة ثورةٍ أو ما شابه ذلك، فالدولة هنا ليست بحاجة إلى هذه الثورات ابتداءً، بل هي تعطيك حقك إن أنت طالبت به.. هكذا ودونما مجهوداتٍ كبيرةٍ أو تضحيةٍ بالأرواح كما فعل أهل الثورات.. الموضوع هنا فعلاً بسيطٌ، لكنه سيكون في غاية التعقيد غداً إن نحن لم نستغل بساطته اليوم.

وما الغريب في الأمر حينما نطالب بأن تكون صلاتنا في العيد موحدة في حديقةٍ واحدةٍ وبإمامٍ واحدٍ، بهدف إظهار وتكثير سواد المسلمين، أليس هذا من سنة نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه؟ لماذا كان يريد أن يباهي بكثرتنا؟ ولماذا يصر البعض على مخالفته في ذلك.. لقد كان لنبينا رؤية عميقة، فهل نترك فهمه العميق لحلول مشاكلنا ونصمم على الفُرقة؟! أم هو الإصرار على أن يكون كل شيخٍ إماماً في مسجده؟ ليس هذا من شِيم المسلمين يا إخوة.

إخوتي الكرام.. إن الأصوات باتت تعلو في السياسة الألمانية يوماً بعد يومٍ، ولا نريد أن ننتظر الطامة الكبرى فوق رؤوسنا.. بعد أن تساءل وزير الداخلية السابق عن مدى انتماء الإسلام والمسلمين إلى ألمانيا، بات اليوم الحديث عن الإسلام السياسي، وأنه يجب أن يكون من المحرمات في ألمانيا.. ونحن نتساءل هنا بدورنا عن سبب تحريم الإسلام السياسي في حين أن الحزب الذي كان يحكم قبل أشهرٍ قليلةٍ اسمه الاتحاد الديموقراطي المسيحي؟

إننا لو صبرنا كما كنا نصبر في بلادنا، فلن تقوم لنا قائمة.. وسيتأكد حينها أننا نستعذب لعب دور الضحية في كل زمانٍ ومكانٍ.

والحل بكل وضوحٍ هو.. إما أن نفيق لأنفسنا ويتحد المسلمون في كل مدينة؟ أو أن نفقد الأمل في كبار السن لتفشي مرض الخوف من الحرية فيهم، ونترك الأمر للشباب ونعمل معهم ولهم.. وإلا حلت بنا جميعاً الطامة كما أسلفنا.

 

وهنا نقف ونختم حديثنا بلا إطالة، ونترك لكم القرار، ليتحدد دورناً مع مَن سيكون؟

نسأل الله أن يعيننا وإياكم على مهامنا، وأن يهدينا وإياكم سبيل الرشاد..

أربعاء 09 فبراير 2022

عرض التفاصيل
أكبر خطأ للمسلمين في الغرب

أكبر خطأ للمسلمين في الغرب

عباد الله: 

لا شك أن حال المسلمين في فرنسا يدعو للقلق والتساؤل، فهم الذين تزيد نسبتهم عن ٨٪ لا وزن لهم رغم انتشارهم في المجتمع الفرنسي، بل ويحاربون حتى في المساجد وفي المأكل الحلال، وهذا هو ما كانوا يرونه كافياً لهم في حياتهم، ولا يريدون غيره، فباتوا يُحرَمون حتى من هذه الحقوق البسيطة.. بل إن بعض الوزراء الذين ينتمون للإسلام بشكلٍ أو بآخر نجدهم أشد عداءً للمسلمين من غيرهم.. فهذا وزير الداخلية يرى أن الإسلام عدو الجمهورية الفرنسية الأول، مع أن جده كان اسمه موسى، وكان مسلماً، لكن هذا الوزير صار اسمه جيرالد، وهذا يكفي لنعلم ما يأتي بعد ذلك..!

فأين الخلل أيها الإخوة؟!

الخلل أنهم شيدوا آلاف المساجد، لكنهم لم يؤسسوا جيلاً واعياً يدافع عن حقوقهم.. منعوا أبناءهم أن يمثلوهم في الهيئات المجتمعية والجهات السياسية.. فقل أن تجد مسلماً واعياً بين ساسة فرنسا، رغم أنه كان يجب أن نرى مسلماً كل عشرة سياسيين هناك، لكننا بتنا لا نرى تقريباً سوى من يهاجم المسلمين ويتمعن في عقابهم، كي يرضى عنه الباقون، حتى لو كان من أبناء المسلمين أنفسهم.. لقد أهملوا بناء الشباب المسلم كما يجب أن يكون، واكتفوا ببناء جدران المساجد، دون بناء جيلٍ واعٍ قويٍ.

فباتت قرارات إغلاق المساجد هناك من أسهل الأمور، فهي بيد غير المسلمين، ولن تجد في المجالس البلدية من يقف ضد مثل هذه القرارات، لأنه أصلاً لا وجود للمسلمين يذكر في مجالس إدارات المدن.. ولو طالبت الجالية الإسلامية هناك بشيءٍ فلن تجد آذاناً صاغيةً تسمع أو تجيب.

بل إن أصوات المسلمين تذهب هباءً ولا وزن لها، لأنهم لا يستخدمونها كورقة ضغطٍ على الأحزاب لتحقيق مطالبهم الأساسية، في حين أن الشواذ جنسياً يحققون أكثر مما حقق المسلمون من مطالب بكثيرٍ، رغم أنهم أبداً لا يضاهون أعداد المسلمين ونسبتهم في المجتمع الفرنسي.

 

الخلل أيضاً أننا لا نفهم معنى السياسة، ولا نفقه أنها فن أخذ الحقوق.. ونظن أن الحقوق هبة يهبها الساسة لنا، والحقيقة أنها تعطى فقط لمن يطلبها، بل لمن يعرف كيف يطلبها، أو بمعنى أدق.. لمن يفهم ما هي السياسة.

ومن الغريب أن نجد هنا غالبية المسلمين لا يزالون يرتعدون لمجرد أن يسمعوا كلمة سياسة، وكأنها منكرٌ يجب الابتعاد عنه فوراً.. مع أننا لو نظرنا حولنا إلى أرفع الساسة مقاماً في هذه البلاد التي نعيش فيها لوجدنا مثلاً تلك المرأة الرائعة ميركل، كانت ابنةً لقسيسٍ نصراني، وكانت عالمةً في الكيمياء الفيزيائية.. فهي لم تولد سياسيةً، بل ارتأت أنها تستطيع أن تخدم بلادها فغيرت عملها بعد أن كانت قد حصلت على الدكتوراه في مجالها، لكنها تركت كل ذلك واتجهت للعمل بالسياسة لخدمة البلاد.. فهل منا أو من أبنائنا من يدرك أخيراً ان المسلمين بحاجةٍ لمن يخدمهم فعلاً؟ أم أننا لا زلنا لا نتقن إلا دور الضحية المتلقية للأوامر من الغير، وما نحن إلا عبيدٌ مطيعون، لا حاجة لنا في الدنيا إلا المأكل والمشرب، وربما الصلاة وفقط.. ألهذا الحد السطحي تكون غاية طموحنا؟ مجرد جزارة لحومٍ حلالٍ ملحقةٍ بمسجدٍ ونتصور أننا بذلك قد حققنا حلم المسلمين وحلم أبنائنا؟!!

 

إن لو نظرنا إلى حالنا اليوم في هذه البلاد، لوجدنا أننا نشبه حال المسلمين في صدر الإسلام إبان عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، ولعرفنا أننا يجب في هذه الحالة أن نتشبه بكثيرٍ مما كان على عهده.

لقد عين رسولنا صلوات الله وسلامه عليه أصحابه نواباً سياسيين منذ اليوم الأول، فأرسل الوفود والنواب، وعلمهم كيف يخاطبون الناس ويحاجونهم.. وما قصة داهية العرب عمرو بن العاص ببعيد، حينما كان لا يزال كافراً وذهب للملك النجاشي كي يقنعه بأن يطرد المسلمين ويسلمهم له.. فما كان من المسلمين إلا أن جادلوه بالحسنى والدهاء، وليس بالسطحية ولا السذاجة التي يسمونها مجاملةً للسذج: طيبة..!! فكسبوا الجولة والحوار السياسي ضده عند النجاشي، ولو لم يكونوا أذكياء ومحاورين وسياسيين لما نجوا من فخ عمرو بن العاص.. فهل نتوقع أن ينجوَ المسلمون في عصرنا بالسطحية أو الطيبة كما يحلو للبعض أن يسميَها؟ ونترك سنة رسولنا الذي أكد لنا مراراً وعلمنا أن المؤمن كيسٌ فطِن؟؟

 

إننا لا نطلب أن نكون مسيطرين على مقاليد الأمور تماماً، ولا نطمع في أكثر من حقوقنا الطبيعية التي تناسب حجمنا في المجتمع.. فقط نريد أن يكون لنا ما لغيرنا، وعلينا ما عليهم.. فما الغريب في ذلك؟

ولماذا مثلاً لا نجد عربياً واحداً يمثلنا في مجلس الأجانب بالمدينة؟

إنكم لو طلبتم أي طلبٍ من هذا المجلس، فلا تتوقعوا الموافقة عليه، لأنكم لم تنتخبوا عربياً واحداً فيه، فلماذا يجيبون طلباتكم أصلاً وأنتم الذين تصرون ألا يكون لكم وزناً يمثلكم في المجتمع؟!!

إخوتي الكرام..

هل تدركون مثلاً أنه لا يوجد مسجدٌ واحدٌ بالمدينة مرخصٌ كمسجد؟ أي أن جميع مساجد دوسلدورف تعاني من الكثير من التعنت الإداري، لأنها في نظر إدارة المدينة ليست مساجد.. ولو كانت كذلك لكان لها أوضاعٌ مختلفةٌ جداً.. لكن كيف يحصلون عليها ونحن لسنا حريصين على أن يكون منا من يشارك في إدارة المدينة التي يمثل المسلمون فيها عُشر سكانها؟!

 

إخوتي.. أرجو ألا تغضبوا مني حين أقول بأن أهم ميزةٍ لنا هي الصَمم والبكَم.. ودعوني أضرب لكم مثالاً.. فحين شاركت إحدى الممثلات الشهيرات على حسابها مجرد صورةٍ لمظاهرةٍ تطالب برفع الحصار عن الفلسطينيين في بلادهم، قامت الدنيا ولم تقعد، واتهمها اليهود في التو واللحظة بمعاداة السامية، بل ويطالبون الحكومة البريطانية بمحاكمتها..!!

في حين أننا لا نجرؤ ونتحرج حتى أن نشتكي ضد الصواريخ التي يضربونها تجاه إخواننا، وليس مجرد نشر صورة على تويتر..!!

أرأيتم إلى أين وصلنا؟

ماذا دهانا يا إخوة؟

الرجل ذو الشوارب يخبرك أنه يخاف أن يقول رأيه للمجتمع، ويكتفي أن يقوله سراً بينه وبين أخيه فقط.. ويعوض ذلك النقص في بيته بمزيدٍ من الديكتاتورية..! 

والبنت تجد حرجاً في الدفاع عن حجابها، في حين أن الشواذ لا يجدون ثمة حرج في مسلكهم الغريب.. 

مَن علمنا وزرع فينا عدم رغبة الدفاع عن أنفسنا ومعتقداتنا؟

مَن قال لكم أن هذا تواضعٌ أو خلقٌ حسنٌ؟! من ضللكم وكتم أصواتكم؟!

وإذا كانت هذه المصيبة قد استحكمت منكم، فلماذا تصرون على أن تصدروا العدوى إلى أبنائكم ليسكتوا هم أيضاً؟!

إن من أسباب عدم احترام أبنائنا لنا، أننا لا نتمتع بالجرأة في الحق.. فالعالم من حولنا يحترم القوي، ولا يحترم الضعيف.. 

 

نسأل الله أن يعنا على أنفسنا، اللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

 


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم
أما بعد.. 

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى عن واقعٍ مؤلمٍ، والذي نخشى أن يكون أكثر إيلاماً كما يعيش إخواننا في فرنسا، لأنهم نسوا أن يبنوا جيلاً مشاركاً فاعلاً في المجتمع، واكتفوا فقط ببناء المساجد.. ورأينا أن إشراك أبنائنا في الحياة السياسية ليس عيباً، بل هو واجبٌ وجوب الدفاع عن عقيدتنا.. إنه في نظرنا من أوجب الأمور على المسلمين المقيمين في الغرب، حتى أوجب من أن يؤسسوا محلات الجزارة الحلال، لأن أبناءنا هؤلاء سوف يكونون هم من يوافقون لنا ويمنعون غير المسلمين من الساسة من التعدي على حقوق المسلمين.. ولن يفعلوا ذلك إلا لو كانوا في موقع المسئولية أولاً، ومدَربين على ممارسة السياسة المدافعة عن المسلمين ثانياً.

فكيف يكون ذلك؟ 

الحق أننا نرفض أن نكون ممن يثيرون المشاعر دون أن يوجدوا لها حلولاً، وإمعاناً في ذلك فإننا نفكر في الحل ونبدأ في إجراءاته وخطواته العملية قبل أن نعرض المشكلة أساساً عليكم، كي نتيقن أنه الحل المناسب قبل أن نملأ به أسماعَكم.

وفي هذا الصدد كنا قد طلبنا من الحزبين الرئيسيين الحاكمين في الدولة أن يمدوننا ببعض ساستهم في المدينة كي يساعدونا في تجهيز وإعداد أبنائنا سياسياً على الصعيد المحلي في المدينة أولاً، وزارنا قبل أسبوعٍ ممثل الحزب الأول وننتظر الثاني، ووعد بأن يتعاون معنا بقوةٍ في هذا الأمر.. بقي فقط أن نجهز لهم أبناءنا الذين نرغب في إعدادهم ومن ثَم انتخابهم بعد ذلك مستغلين حجم ونسبة المسلمين في المدينة.

وحتى لا نكثر من اختلافات المسلمين بينهم وبين بعض، فقد قررنا تأسيس لجنةٍ تزور جميع المساجد السنية في دوسلدورف، وتطلب منهم أن يرشحوا ثلاثةً من أبناء وبنات كل مسجدٍ، فنجمعهم مرةً كل شهرٍ في المجمع الإسلامي لدينا، وندربهم دينياً ويدربهم الحزبان سياسياً.. 

ثم تكون هذه هي فقط أولى الخطوات التنسيقية، ثم يلي ذلك الاتفاق على ترشيح أفضلهم بعد تدريبهم، والتوافق على ذلك.. بهدف أن نرى أخيراً من يمثلنا وهو في موقع المسئولية.

ونحن هنا نناشد من يرغب في الانضمام للجنة التنسيقية لدينا أن يتواصل معنا، ونرجو له من ثواب ملك الملوك الكثير.

 

كلنا أملٌ أن نسمع أصواتكم، وأن تخرجوا بها من ضيق بيوتكم إلى رحابة المدينة والدولة التي أصبحنا جزءاً لا يتجزأ منها.. وحينها لن نقصر إن شاء الله معكم في تحمل المسئولية.

نسأل الله أن يعيننا وإياكم على مهامنا مع أبنائنا، وأن يهدينا وإياهم سبيل الرشاد..

أربعاء 09 فبراير 2022

عرض التفاصيل
من يربح ومن يخسر أبناءنا؟

من يربح ومن يخسر أبناءنا؟

عباد الله:

قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).

حديثٌ سمعناه كثيراً، لكنَّ وَعينَا له ولنتيجتِه أقلُ من المطلوب بمراحل..

وقبل أن نتحدث عن حقيقة ما يعنيه هذا الحديث الشريف، أحب أن أوضح أن رسولنا الكريم لا يقول الأحاديث ليؤلف كتباً في البلاغة مثلاً، بل يقولها ليحمينا من شيطانٍ يسري منا مسرى الدم من العروق.. وللأسف فإننا ننسى كثيراً هذه النصائح الثمينة والدرر الغالية، ثم نفاجأ لاحقاً أن ما نعاني منه هو بسبب أننا سمعنا نصيحة رسولنا صلى الله عليه وسلم لكننا وضعنا الطين والعجين بينها وبين آذاننا، لنصم أنفسنا بأنفسنا عن الحق الذي تفوه به صلوات الله وسلامه عليه، وكأنه كان يقولها لغيرنا ولا يقصدنا بأحاديثه.

وبالعودة إلى حديث اليوم، نجد أنه يمس جوهر حياتنا في هذه البلاد، فصديقك هو عنوانك، ولو قلتَ لي من هم أقرب أصدقاء ابنك، لعرفتُ مستواه الخلقي وتوجهه دون أن أعرفه هو نفسه، فعلى الأغلب سيكون على دين خليله كما أوضح لنا محمد بن عبد الله، أفضل صلاةٍ وسلامٍ عليك يا حبيبي يا رسول الله.

وهنا غالباً ما تقع الكارثة التي نخشاها جميعاً.. وهي أنك أقل إقناعاً لابنك من صديقه المقرب والمحبب إلى نفسه يقيناً،.. ودعني أخي الكريم أضرب لك مثالاً، لترى كيف يقنع الخليل خليله:

فلو أهدى أحدهم ابنك قطعة حشيشٍ مثلاً في جلسةٍ يقودهما فيها الشيطان في غرفةٍ بمنزلك، وقبل أن يرفضها ابنك المسكين، أخبره صديقه المقرب بأن الحكومة الألمانية الجديدة قد أقرت مسودة قانونٍ يسمح ببيع الحشيش علناً ودون تجريم، وأنه بناءً على ذلك فالحشيش غير مضرٍ ولا ضير أو حرمةً قانونيةً فيه، لأنه لو كان ضاراً لما سمحت به الحكومات الغربية المتعددة وليست الألمانية فقط، أليس كذلك؟

ثم إنه أقل ضرراً بكل تأكيدٍ من السجائر، وهو فوق كل ذلك لا يتسبب في العنف الذي يخالط شارب الخمر في كثيرٍ من الأحيان، بل يحول المرء إلى كتلةٍ من السعادة والسرور والارتقاء فوق مفردات الحياة، والنظر إلى كل ما فيها من الناحية المتفائلة..!!

فهل تتوقع أن يقتنع ابنك بمثل ما قاله صديقه له هنا؟

وهل تتوقع أنك تستطيع إقناعه بغير ذلك بعد ما سمعه من صديقه من منطق يبدو واقعياً؟

ثم إن صديقه محببٌ إليه، يلعب معه، ويخرج للتنزه معه، في حين أنك ربما تكون من يثقل عليه بالطلبات في البيت وقد تتشاجر معه لتقصيره في أمرٍ ما، وفوق كل ذلك فأنت من جيلٍ مختلفٍ لا يعرف كيف يتعامل مع جيل ابنٍ في هذه السن.. ففرصة من فيكما أكبر لدى هذا الابن المسكين؟ أيكون الصديق اللطيف أكثر إقناعاً؟ أم الأب قليل المعرفة والمنطق، كثير المطالب والنزاعات؟

ثم إنه على الأغلب ليس صديقاً واحداً، بل ربما مجموعةً من الأصدقاء، كلهم يتكلمون نفس لغة المنطق الغريب عنك، وقد تكبر الكارثة فتكون بينهم صديقة أكثر لطفاً، تفعل به ما لم تفعل الساحرة الشريرة بضحاياها، لكن في صورةٍ مختلفةٍ وعصريةٍ.

الغريب هنا أنك أيها الأب المغيب لا زلت تنتظر من ابنك أن يكون كما كنت تحلم أنت أن يكون؟!

هيهات.. لقد ابتعدت عنه فابتعد عنك، وهو قد ينتظر أن يفارقك في أقرب فرصة، ربما إلى غير رجعةٍ، لو لم ترجع أنت وتغير من مذهبك وطريقتك معه بسرعة.

أنت هنا في معركة ضروس، طرفاها اثنان.. عقيدةٌ سليمةٌ، لكنها كما السلاح القوي يحمله جنديٌ ضعيف الإمكانات هزيل الفكر، في مقابل منطقٍ ملتوٍ لكن بريقَه لامعٌ، يجيد صياغته وحبكته مجموعةٌ كبيرةٌ جداً من الجنود المنتشرة في كل زاويةٍ تحاصر ابنك المسكين.

وبالرغم أنك تعلم أن سلاحك فتاكٌ، وأنك قادرٌ على تحقيق النصر إذا ما أحسنت استخدامه، إلا أنك تصر على قلة التدريب عليه، بل وترفض أن تستعين بإخوانك في هذه المعركة.

هذا هو حالك وواقعك، فصحيحٌ أنك مسلمٌ وتمتلك عقيدةً قادرةً على سحق كل هراءٍ فيما عداها، لكنك لا تعرف كيف تستخدم سلاحك وتدافع عنها.. ثم ها أنت ترفض استدراك ما فاتك من العلم عن تفاصيلها وقوة حجتها، بل ولربما استجبت للشيطان الذي زين لك البعد عن أقرانك من المسلمين، فصرت تحاصر نفسك بنفسك، وتتجهز كفريسةٍ للذئب الذي لا يأكل من الشياه إلا القاصية المنفردة.. وليتك انفردت وحدَك، بل سهلت للشيطان فريسته، عندما جردت ابنك من كل أساسٍ عقائديٍ سليم، فلا أنت علمته، ولا أنت تركته يتعلم على يد من يستطيع إفادتَه.. بل حتى حرمته من أن يصادق ويخالل الطيبين الطاهرين، بحجة أنك تفضل الانعزال عن بني جلدتك، إذ زين لك الشيطان البعدَ عنهم كلياً، فهجرتَ الشرير والطيب منهم على السواء، مع أنك تعلم أن كلَ الشعوبِ فيها الصالح والطالح، لكنك قد شربت المقلب الذي صوره لك الشيطان دون أن تدري ما حاكه لك ولابنك، واستجبت له بكل سطحيةٍ مقيتة، فتركت الكل وأصبحت فريسةً سهلةً..!

إخوتي الكرام..

إن من مميزاتنا أننا نتحدث جميعاً اللغة العربية، وديننا فوق ذلك واحدٌ، أي أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.. وإني لأظن الضابطين سايكس وبيكو لا يزالان يضحكان في قبريهما على ما فعلا بنا نحن العرب، فقد جلسا مع بعضهما ورسما حدوداً لأقاليمٍ، كانوا دولةً واحدةً، فقسموها دولاً عديدةً وجعلوا بينها ما يدعو للتناحر والسخرية.. فبين العراق والكويت جعلوا منطقة تنازع، وبين الكويت والسعودية كذلك، ثم بين السعودية والأردن.. وهكذا حتى نصل لدولة الإمارات التي تحتضن قطعة أرضٍ من عمان، محاطة بالإمارات من كل ناحية، لكنها على الرغم من ذلك عمانية..!! والله يا إخوة حقَّ أن يضحكوا علينا.. فما يجمعنا كبير، وما يفرقنا صغير.. لكننا نجد رغم ذلك الكويتي يستهزئ بالعراقي، والعراقي يريد غزو الكويتي.. فلماذا؟

الإجابة ببساطة لأننا نسينا ما يجمعنا، وصرنا نهتم أكثر بما يفرقنا.. فهل لنا من فواقٍ؟

ولكي لا نتفرع كثيراً عن موضوعنا الذي يدور حول أبنائنا وموقعهم منا ومن المجتمع الذي نعيش فيه، نلخص القول بأننا لا ندرك أن أبناءنا لا يقبلون حجةً ضعيفةً من صاحب فكرٍ ضعيفٍ، فعلينا نحن الآباء أن نتسلح بالفكر القويم، وأن نقويه ونقوي معلوماتنا عنه، وإن لم نستطع فعلى الأقل نخالط الأقوياء منا كي نستفيد منهم ونعرف كيف نواجه الانحرافات الفكرية التي تحيط بنا.. فقصة الحشيش التي أوردناها كمثالٍ ربما صعب على البعض الرد عليه، ستجد أن السجائر أو أنواع الدخان المختلفة مسموحٌ بها، رغم أنهم أجبروا المعلنين عنها أن يضعوا صور المصابين بالسرطان بسببها على كل عبوة..!! فلماذا تبيحونها وأنتم تعلمون أنها ضارة؟

وكذلك الخمر.. هم متيقنون أيضاً أنها ضارةٌ، لكنهم يبيحونها ثم ينهون عنها..!

فهم كما يقول المثل المصري: لا أحبك، لكني لا أستطيع مفارقتك..!!

إذاً.. فكونهم يبيحون الحشيش الآن لا يعني أبداً أنه غير ضارٍ.. بل هو كذلك، وجميع العقلاء يقولون ذلك، ومَن يقول بخلاف ذلك إنما يريد أن يضلك يا ولدي، فأعمل عقلك، ولا تكن منقاداً لغيرك كالحمار -أعزك الله- حين يغطون عينيه ليسيرَ كيفما يريدون منه فقط.

هكذا يجب أن ننبه أبناءنا، وأن نستعد لكل موضوعٍ نريد أن نناقشه معهم،.. نعم اقرأ، تعرف على حججهم وعلى الرد عليها، قبل أن تدخل معركةً أنت أولُ مَن يعلم أنك ستخسرها، لو لم تسعد لها...!!

نسأل الله أن يعنا على أنفسنا وعلى تربية أبنائنا، اللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

============

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

أما بعد..

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى عن واقعٍ يعيشه أبناؤنا، وننفصل عنه نحن.. وغاية ما يفعل البعض أن يشتكي من تسلط الحكومة المحلية عليه، وهو أول من تسلط على نفسه وأولاده فحرم نفسه الفهم والفكر، وظن أنه ببعض من علو الصوت سيخاف الولد ويرتدع، غير مدركٍ أن هذه كما يقولون كانت موضة وانتهت، ولا علاقة لها مطلقاً بالإسلام الذي نلصق به ما ليس منه.. فحاشا لله أن يكون الإسلام هو التسلط والتجبر.. ولو رجعنا إلى صدر الإسلام لوجدنا أن الإسلام إنما انتشر بالحجة والمنطق، لا بالإجبار ولا بالخرافات.. فقد كان صلى الله عليه وسلم يحاجج قومه بالعقل والفكر، ولم يرفع سيفه عليهم إلا بعد أن اقتضى الحال والضرورة ذلك، حينما أرادوا أن يحاربوا الفكر الإسلامي بالسيف، فما كان من المسلمين -بعد أن قويت شوكتهم- إلا أن صدوا اعتداء المشركين وغيرهم.

بل إن الإسلام دخل دولاً بأكملها لمئات الملايين بدون أن يروا منه سيفاً مطلقاً.. وما كانت حروبنا لإجبار أحدٍ على الإسلام، بل كانت لإتاحة الفرصة لهم للتعرف على الإسلام، ومن يقبل يسلم، ومن لا يقبل يدفع ضريبة الدفاع بأرواحنا عنه.. فالإسلام الذي ينتشر بالسيف لا قيمة له عند الله.. وأذكر أننا قد عرضنا فيلماً للأطفال ذات مرةٍ عن سمرقند، وكيف دخل الإسلام إليها، وأن أهلها اشتكوا إجبارهم على الإسلام أو الحرب لقاضي المسلمين في عاصمة الخلافة، فأمر القاضي الجيش أن يخرج منها بعد أن كان يحكمها كلياً، وبالفعل خرج الجيش وانتشر الإسلام أكثر وأكثر، لمّا رأى أهلها عدالته وسماحته.

نعود إلى صلب حديثنا وأسألكم أيها الإخوة.. مَن منكم سوف يقبل حضور ندوةٍ نتحدث فيها مثلاً عن الرد على الشبهات والأباطيل الفكرية التي يرمون بها الإسلام، والتي ربما يؤيدهم فيها بعض أبناء المسلمين أيضاً؟

إننا حين نتكلم في مثل هذه الأمور نشعر وكأننا نخاطب أناساً لا وجود لهم في هذا المجتمع، وكأنهم حقاً لا يدركون حاجتهم للقدرة على الرد على هذه الشبهات، وحين يسألهم أبناؤهم عنها يصمتون صمت القبور..! أو يصيحون صيحات حربٍ مع أبنائهم وكأنهم فوجئوا بهذه الأباطيل، رغم أنهم يسمعونها كل يومٍ تقريباً بشكلٍ أو بآخر، ويظنون أن أبناءهم بعيدون عنها، والحقيقة في بيوتهم خلاف ذلك تماماً، لكنهم آخر من يعلم، لأنهم آخر من يستجيب ويتحرك.

أخي الكريم.. المهندس لا يجلس في بيته وينتظر أن تخرج السيارة التي يصنعها جيدةً من تلقاء نفسها، وأنت أيضاً لا يجب أن تنتظر أن يكون أبناؤك جيدون من تلقاء أنفسهم، فلابد أن يعمل المهندس وتعمل أنت لنرى نتيجةً حسنةً لهذا العمل، فمن لا مجهود لا ننتظر شيئاً، ومن يقل غير ذلك فهو مغيبٌ ويستحق أن يفقد أولاده.

كلنا أملٌ أن نسمع طلباتكم عن جلساتٍ وندواتٍ وحواراتٍ تناقش مشاكل أبنائنا والشبهات التي تواجههم كل يومٍ.. وحينها لن نقصر إن شاء الله معكم في تحمل هذه المسئولية.

نسأل الله أن يعيننا وإياكم على مهامنا مع أبنائنا، وأن يهدينا وإياهم سبيل الرشاد..

أربعاء 09 فبراير 2022

عرض التفاصيل
المشاكل الزوجية

المشاكل الزوجية

عباد الله:

يقولون عند الشدائد تظهر الرجال، أو عند المشاكل تظهر المعادن.. ويقيناً لا توجد حياة بلا مشاكل، بل لا أكذبكم الحديث إن قلت بأن حجم مشاكل الحياة أو صعوبتها تتساوى تماماً أينما ذهبت، فالله يعطيك من الاختبارات ما يناسب قدرتك، ولا يترك الأمر مفتوحاً كي تكون المشاكل هنا مثلاً أقل من تلك التي في بلادنا.. فقد تختلف في نوعها وشكلها، لكنها أبداً لا تختلف في حجمها، ذلك أن وعد الله حقٌ وهو مذكورٌ بكل وضوحٍ في الآية: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها...).

ويقولون كذلك بأن الدنيا تجربة، وأن العاقل فيها مَن كثُرت تجارِبه ثم وعيها واستفاد منها،.. وفي المقابل فإن العمر قصير، ولا يَسَعُ لكل التجارب المطلوبة في الحياة..

ومن نكدِ الدنيا أنه إذا مرت عليك التجارب بقدرٍ أكبر، واستحكم عقلك في تصرفاتك، كنت قد كبرتَ وشِخْتَ، فلا تنفع كنفعها في وقتَ الصِّبا،.. ومع الأسف فإن الإنسان عادةً لا يسمع ممن جرَّب، كي لا يقع في محذوره، ثم يندم بعد ذلك، إلا قليلٌ ممن رحم ربي.

واليوم نريد أن نتعلم ممن سبقنا بالتجربة، لا سيما فيما يخص العلاقة بين الزوج وزوجته، خاصةً أن حالات الطلاق قد زادت بشكلٍ غير مسبوقٍ، والأسباب في ذلك كثيرة.. وأذكر قصة شيخٍ جليلٍ كنت أحب أن أستمع إلى خطبه وأنا في سنٍ المدرسة، وأحياناً كنت أذهب إليه لأزوره في بيته، فأسمع كما سمع الصحابي الذي جاء يشكو إلى عمر سوء عشرة زوجته، وأنها ترفع صوتها عليه، فلما جاءه وجد نفس المشكلة، وأنا أيضاً قد وجدت نفس المشكلة لدى الشيخ، فسألته: لمَ هذا؟ ظننت بيتك يا شيخ مثالياً، لمَ تصبر عليها كل هذه السنين؟ فأجابني: للجنة ثمنها.. فقلت له: نعم أريد الجنة، لكن ليس من هذه الطريق أبداً، وضحكنا..

والحق أن هذه القصة ليست للتندر، لا قصة عمر ولا قصة الشيخ، فمن منا لا يعرف أن عمر بن الخطاب كانت تهتز له القبائل وترتعد خوفاً من سطوته؟! لكنه كان أسداً مروضاً مع زوجته، كان يكتم غيظه ويدرك أن البيوت لا تخلو من المشاكل، وأن على الطرفين أن يتحملا الكثير.. فها هو وهو أمير المؤمنين على كوكب الأرض كله، لا يأبه لصورته المجتمعية وتأخذه الحمية فيطلق زوجته لعلو صوتها عليه في بيته أمام الناس..!! صحيحٌ أنها أخطأت وبشدة، لكن من منهما بقيَ ذكره؟ هو الذي تحمل ونال الثواب العظيم وعلم بذلك غيره من الأسر المسلمة؟ أم هي التي لا ذكر لها ولا يبحث أحدٌ لمعرفة حتى اسمها؟

لك بصمةٌ في الحياة يا أخي.. فاهتم أن تتركها جميلةً، واعلم أنه ليس الشديد بالصرعة كما أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن لمعالجة الغضب فنون، أقلها تحمل الطرف الآخر وهو هنا أشد طلباً من غيره في أي شراكاتٍ أخرى، فالشراكة الزوجية أرقى أنواع الشركات، فقد أشهدتم الله على أن يكون كلٌ منكما سكنٌ وعونٌ للآخر، وهو سبحانه الوحيد اللطيف الخبير بكل دقائق الأمور وخباياها.. فاخشوه يرحمكم الله، واعلموا أن الرفق ما اختلط بشيءٍ إلا زانه وجمله.

إخوتي الكرام.. كنا في ألمانيا قبل ثلاثين عاماً نباهي بإسلامنا وأن نسبة الطلاق هنا لديهم تفوق حالة طلاق كل حالتين زواج، ونقول لهم أرأيتم.. الطلاق لديكم في شريعتكم ممنوع، ورغم ذلك هذه نسبة الطلاق لديكم، في حين أنه في الإسلام ميسورٌ جداً، وبكلمة واحدة ينتهي الأمر، لكن الإسلام حثنا رغم ذلك على التماسك، لذا لا تجدون هذه النسبة أبداً لدينا..!!

واليوم ولشديد الأسف زادت حالات الطلاق لدينا بشكلٍ غير مسبوقٍ في تاريخ الإسلام، ونحن إنما نرجع ذلك إلى أسبابٍ عدةٍ، منها:

أولاً: الإعلام الصهيوني في ثوب المسلمين، فصحيحٌ أن مقدميه مسلمون اسماً، لكنهم أشد وقاحةً من غيرهم، وكأن بني جلدتنا قد اتفقوا معهم علينا، استحكم فيهم الشيطان فكانوا من أخلص وأنشط أعوانه علينا، ونحن نراهم منا ويسري كلامهم بيننا مسرى الدم من العروق، لذا فشرهم أكبر وأكثر تأثيراً.

أصبحنا مثلاً نرى في المسلسلات الاجتماعية ما يخرب ولا يصلح.. زوجةً تخون زوجها لأنها تعرفت على شخصٍ أكثر وسامةً وظرفاً، زوجٌ يصول ويجول ببطولاته النسائية المزعومة، ابنةً تتخلى عن شرفها مع زميلها، ابناً يجرم فيفلت من العقاب لمكانة أبيه.. واستخدموا في ذلك كل الحيَل حتى يجعلونا نحب هؤلاء ونستلطفهم، بل وندعو الله أن يفلتوا، لأنه ظرفاء ومحبوبون..!!

وصارت مكانة هؤلاء الأبطال في صدر المجتمع، يشار إليهم بالبنان، وكأن هذه الساقطة أو تلك هي مفخرة الأمة، مع أنها في الحقيقة من أسفل السفلة وأكثرهم جرماً وحقارةً..!!

لقد وصلوا من البجاحة أن تقول لنا الراقصة في أكثر البرامج الحوارية شهرةً: الحمد لله، ربنا وفقني، فكانت هذه الرقصة من أفضل ما قدمت للجمهور..!!

والله يا إخوة لقد انقلبت الموازين.. فهل لنا أن نعيد الأمور إلى نصابها؟ هل لكم من دورٍ في ذلك؟ أم أننا وأنتم سنظل من المتلقين المفعول بهم كل الخطط والشرور، ولسنا فاعلين مؤثرين في حياتنا وحياة أبنائنا وأمتنا؟؟!!

ثانياً: مواقع التواصل الاجتماعي.. لقد انتشرت صفحاتٌ تعلم الزوجين كيفية الانتقام من بعضهما البعض وهم داخل علاقة الزواج، فما بالنا بما يقولونه للمطلقين حديثاً من نصائح مدمرة للأمة!!

نعم، توجد صفحات على سبيل المثال تعلم المرأة كيف تشيب زوجَها بأفعالها، وتتبادل النساء فيها النصائح والمكائد، بل ويكسبونها روح الفكاهة المخلوطة بالرغبة في الانتقام..! ويبقى السؤال الموجه لهن جميعاً: ألهذا تزوجتُن؟

ثم ماذا بعد؟ هل يدركن عاقبة ذلك؟ أم أنه قصر النظر الذي عم سوادَ الأمة؟

ثالثاً: التمكين المالي للمرأة.. حيث كانت المرأة قديماً تعتمد على الرجل فقط، واليوم باتت لها قوتها المالية الخاصة.. ونحن لا نعترض قط على ذلك، فخديجة بنت خويلد رضيَ الله عنها كانت هي صاحبة المال، ورسولنا صلوات الله وسلامه عليه كان عاملاً عليه لديها..

وعيون زبيدة المائية في جبل عرفات كانت من نفقة وجيب السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد، وهي تلك العيون التي بنتها من الطائف على بعد سبعين كيلومتراً من مكة المكرمة، حيث كان الماء يتوافر لسقوط المطر بغزارةٍ هناك، فبنت هذا المشروع الجبار من حر مالها الخاص، لا من خزينة دولة المسلمين، حتى أفلست رحمها الله وتقبل منها حسن صنيعها.. هؤلاء نساء الإسلام وهذا هو إسلامنا، ليس ما طرأ عليه لاحقاً من استفراد الرجال بالمال.

والمرأة التي تنفصل عن زوجها حين تمتلك المال هي في نظرنا كالمرأة الفقيرة التي تجبرت حين اغتنت، فضربت بعرض الحائط مصلحة أبنائها، وكان همها التخلص من زوجها، بأنانيةٍ مفرطةٍ..

رابعاً: ضعف المهارات التربوية، وسطحية الأب والأم.. فقد كبروا سناً وحجماً لكن خبراتهم لم تكبر معهم، ربما لأنهم لم يتلقوها من غيرهم كما كان سابقاً، لكن أيضاً لأنهم لم يبذلوا مجهوداً ليتعلموها أصلاً..

في الزمن الجميل كانت المرأة تنصح ابنتها بما يحسن علاقتها مع زوجها، والأب كذلك ينصح ابنه.. وكان الأبناء يحسنون الاستماع إلى هذه النصائح، أما أبناء اليوم فكثيرٌ منهم قد باع أذنيه لأسوأ مشترٍ.. وكذلك الأب والأم باتوا لا يحسنون النصح ويتركون ذلك للمسلسلات وما شابهها، وحينما يتدخلون يقومون بدور المحامي، كلٌ عن الطرف الذي يخصه، وبدلاً من أن تعمل الأسرتان على التئام علاقة الزوجين، أصبحا يؤججانها، كلٌ بكل ما أوتيَ من قوةٍ وخبرةٍ.. يا سبحان الله، لقد نجح القوم في إفسادنا، نجحوا في إفساد الأبناء ومن قبلهم الآباء والأمهات، ومن فوقهم جميعاً يقود الدولة من يعمل على تدميرها ومحو هوية أبنائها، وكأنهم ينفذون خطة الماسونية بحذافيرها، من انسلاخ الأمة من دينها، لا تحويلها إلى دينٍ آخر، كي يجهلوا ولا يعلموا، ثم تكون العاقبة أننا في مؤخرة الأمم جميعاً..

إن علينا واجبٌ لابد من استدراكه.. لن نكتفيَ أبداً بجملة: حسبنا الله ونعم الوكيل في قادتنا.. بل سنعمل لها قبل أن نقولها..

علينا أن نواجه الإعلام الفاسد فنرفضه، وقد بات لدينا إعلامٌ بديلٌ سهلٌ على الإنترنت، وعلينا أيضاً أن نقاطع كل ما يضاد مصلحة الأسرة على مواقع التواصل التي باتت للكثيرين مواقع للتفكك وتقطيع أوصال الأسرة.. وأخيراً يجب أن نعوض الخبرات الناقصة بمشاهداتٍ لفيديوهات النصائح ممن تثقون فيهم.. فبدلاً من أن كنا نستمع للأم والأب، لنا الآن أن نستمع للعالم أو المدرب والخبير عبر الفيديو، وإياكم أن تتركوا ذلك، أو تتحججوا بأن الأب والأم كانا يجبرانكم على ذلك، فضمائركم ومسئولياتكم هي التي تقوم بهذا الدور لتجبركم على استكمال أوجه النقص هذه.. وإن لم تفعلوا فما قمتم بواجباتكم تجاه أسركم.

إنَّ مجرَّد التفكُّك، بحدِّ ذاته، حتى بدون النظر إلى وجود أطفال، يُعدُّ مأساةً اجتماعيةً، لها آثارُها النفسيَّة على الزوجين، فما بالنا بالأطفال الغض عودُهم؟

حملكم الله المسئولية، وبلغكم رسوله بتفاصيلها، وعلماؤه من بعده بكيفية القيام بها.. فقد جاء دوركم، ومن بعده يحاسبكم الله.

اللهم فأعنا على أنفسنا كي نستيقظ لمكر أعدائنا، أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

----------------

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

أما بعد..

عباد الله:

تحدثنا في الخطبة الأولى عن عوامل تفكك الأسرة الأربعة من وجهة نظرنا المحدودة.. وحاولنا إجمالها بسرعةٍ رغم الإطالة.. ولو فصلنا فيها لاحتجنا لكل عنصر منها حديثاً منفصلاً.

وفي الخطبة الثانية نريد أن نتناول واحداً من هذه الأسباب بقدرٍ من التفصيل فيما يلي..

لعلَّ من أسباب تفشِّي مشكلة الطلاق في بيوتنا كما أسلفنا في الخطبة الأولى هو ما يتمخَّض عما يسمى بالمسلسلات الاجتماعيَّة، التي تلبس لباسنا، وتتحدَّث لهجتنا، فتصوِّر الحياة الزوجية على أنها نزاعٌ وتنابُزٌ وتحدٍّ بين الزوجين، وتَطاولٌ من كلٍّ منهما على الآخر، فأضحَت الحياة في هذه المسلسلات، التي تُعرض في ساعات الذروة، تجسِّد الصِّراع، وتفتح أبوابًا وآفاقًا للخلاف، على حساب وضد المفاهيم الصحيحة في العلاقات الأسرية، والتي تكفُل الحدَّ من مسبِّبات الخلاف؛ كالمودَّة والرحمة، والشراكة والحبِّ.

وستجدون أيضاً مسلسلات تدعو بكل وضوح إلى السرقة، ومنها على سبيل المثال مسلسل يسمى (مليونير)، وقد تفننوا فيه في تحبيب المشاهدين في السرقة والسارقين، حتى وجدنا الناس تتعاطف مع هؤلاء السارقين في نهاية المسلسل وتدعو ألا يتم القبض عليهم..!!

أرأيتم كيف يتم هدم أبنائنا؟!

وفي المقابل نجد أنه من النادر أنْ تَعرِض هذه النوعيَّة من المسلسلات قصة زوجين بينهما انسجام تامٌّ، وتفاهُم، وتحمُّل من أحدهما للآخر، بل فقط الصراعات وربما أخذ الصِّراع سِمة الفُكاهة والطُرفة من قبل البطل المحبب للجمهور، وهو ما يترك في نفوس الشباب الانطباع بأنَّ الحياة الزوجية إنَّما تقوم على هذا الأسلوب من الحياة، تكون فيه الزوجة -دائمًا- مكشِّرةً، ويكون فيه الزوج -دائمًا- عاليَ الصوت في البيت، ملتفتًا عن أسرته إلى أصحابه وزملائه، ولا يأتي البيت إلا ليأكلَ وينام، إنْ لم يأكل في الخارج أصلاً، وأغفلت هذه المناظرُ التمثيلية عواملَ السَّكَن بين الزوجين، وأنَّ أحدهما بالفعل يجب أن يكون سكَنٌا للآخر ولباسٌا له، وأنَّ الأصلَ أنْ تقومَ بينهما المودَّةٌ والرحمةٌ، تلك المودةُ التي شبهها الله أحسن تشبيهٍ حينما قال في محكم كتابه الكريم: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها)، إن علاقتك مع زوجتك يجب أن تكون مثل السكن لكما، تحتضنك وتحتضنها بكل ما في الكلمة من معانٍ.. أرأيت التعبير الرباني حين وصف تلك العلاقة أيضاً بقوله: (هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن).. أكان يشاركك داخل الملبس أحدٌ غيرك؟ إذن فلا تدع بينك وبين زوجتِك شيئاً آخر غيرَك وغيرَها، ولتكن أنت هي وهي أنت.

لستُ أدعوهم إلى مراعاة تحسين المضمون، فلن يراعوه،.. ولكنِّي أدعو المتزوجين والمقبِلين على الزواج إلى أنْ يُدبِروا عنهم، وأدعو الآباء والأمَّهات إلى تنبيه الأولاد - بنين وبناتٍ - بالقدوة، بأنَّ الحياةَ خيرٌ كلُّها، وأنَّ قيام البيت يقوم على عوامل، كلُّها تصُفُّ في مسار التفاؤل والتضحية ومعرفة الأدوار، والاحترام المتبادل، وإيجاد جوٍّ من المودَّة والرحمة والحبِّ، وهذا ما لا تقدِّمه المسلسلات السطحية، التي يُقبل عليها الناس..

يجب أن يعلم كلٌ منا أنه وزوجته ليسا بتوأمين، لكنهما مختلفان، بل حتى لو كانا نشآ في نفس الأسرة لكانا مختلفين أيضاً كما تختلف أنت عن إخوتك رغم نشأتك معهم وتجاوركم كل يومٍ لعشرات السنين في بيتٍ واحد.. كما أنك لم تشترِ زوجتَك بمواصفاتٍ اخترتها من كتالوج أو سوبرماركت تباع فيه الزوجات، بل عقد معها بشهادة الخالق عقد شراكةٍ لاثنين مختلفين يحاولان التواؤم فيما بينهما، يراعي كلٌ منهما الآخر.. إنها شركةٌ بالفعل، لكنها أفضل شركة وأهم عقد، لذا سماه الله تعالى بالميثاق الغليظ.

عباد الله:

أذكركم ونفسي بوصية رسولنا الكريم، حين خاطبنا جميعاً قائلاً: (رفقاً بالقوارير).. نعم، إنهن قوارير يسهل كسرهن، وأنت إن كان الله قد وهبك القدرة على كسرها، إلا أنها هدية الله لك فلا تكسرها، فإنهن عوانٌ بينكم كما وصفهن رسولنا المعلم.

ألا فاتقوا الله عباد الله وصلوا وسلموا على رسولنا الحبيب، وإني داعٍ فأمنوا:

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا واصرف اللهم عنا برحمتك شر ما قضيت..

اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل، وكره إلينا معصيتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل.

اللهم اجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، واجعل أسعد أيامنا يوم أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم كن لإخواننا المظلومين، وارفق بهم وهَوّن عليهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم عجل للحق بنصرك المبين، وثبتنا عليه بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لك يا رب العالمين.

أربعاء 09 فبراير 2022

عرض التفاصيل
قصة الحسنين؟ وأنت؟

قصة الحسنين؟ وأنت؟

عباد الله..

سأقص عليكم اليوم أحد المواقف التي أثرت فينا حينما كنا نفكر في حدود تأثير المسلمين الحالية والمستقبلية في المجتمع الأوروبي ككل.. وأود أن أبدأ بقصة الحسنين، وهي على لسان اثنين من أفاضل مشايخنا في ألمانيا أنقلها لكم عنهما فيما يلي..

فقبل ظهور الإنترنت بنحو ١١ عاماً كان أحد الأئمة النشيطين يمارس مهامه التي تشمل فيما تشمل وجوب أن يكون محيطاً بمجتمعه بشكلٍ جيدٍ جداً، حتى أنه كان يقضي بعض وقته في قراءة إعلانات الصحف.. وفي يومٍ وقع نظره على إعلانٍ مفاده: مطلوب قسيس مسلم لإشهار إسلام شخص.. وقد ترك المعلن رقم هاتفه وعنوانه، وكان ذلك قبل ظهور الهاتف الجوال بنحو ١٠ سنواتٍ أيضاً.

شيخنا حاول الاتصال بالمعلن فلم يتلق ردًا منه، فقرر ألا يسكت وأن يكون نشيطاً كعادته، فذهب على الفور إلى العنوان المقصود، لعله يكون سبباً في إسلامٍ هذا الشخص.. لكنه ظل يدق جرس الباب ولم يجد رداً كذلك، فقرر ترك ورقةٍ ولم يستسلم، ثم عاد أدراجه إلى بيته، وقبل أن يصل البيت دار بخلده أن شيئاً ما يشده إلى مكتبه في مسجده، فذهب للمسجد قبل أن يدخل باب بيته.. ولما وصل وجد رجلاً يرجوه أن يأتي معه، وكان جار المعلن، وقد وجد ورقة الشيخ على باب جاره فقرر أن يذهب للشيخ لأن جاره مريضٌ يرقد في المستشفى، وهو يريد أن يساعده بأي شيءٍ حتى لو لم يقتنع هو شخصياً به.. فتوسل للشيخ أن يأتي معه للمستشفى، فذهب معه ليجد الرجل المعلن مريضاً في الفراش وبجواره قسيس نصراني أوفدته إليه المستشفى.. فلما دخل سأل المريض الشيخ: أأنت القسيس المسلم؟

فأجاب الشيخ: نعم أنا، فهل لي أن أساعدك؟

فهمس المريض إلى القسيس النصراني قائلاً: شكراً لك، اتركني الآن فسأعلن إسلامي اليوم.. ثم التفت إلى الشيخ قائلاً: هل لك أن تحدثني عن الإسلام؟

فأجابه الشيخ باختصارٍ عن أهم ما يميز الإسلام من وجهة نظر الغرب، ولم يسرد له ما يحفظ كما يحاول البعض وكأنهم أطفالٌ لا يدركون المهم لمن أمامهم، ويفضلوا قراءة ما حفظوا أطفالاً دونما وعي.. إذ كان الشيخ يدرك تماماً أنه لا يجب أن يطيل على المريض وأن عليه أن يوجز بذكر أهم ملامح رقي إسلامنا.

فقال له المريض: إنني أحب الإسلام والمسلمين وأريد أن أدخل في هذا الدين، فماذا عليَ أن أفعل؟

فرد الشيخ لفوره قائلاً: فقط انطق الشهادتين وستكون مسلماً، ولم يقل له عليك أن تستحم وأن تفعل كذا وكذا، لأنه يدرك أن الرجل مريض وأنه لا يستطيع ذلك، وأن الدين يجب أن يوغل فيه برفق، لا بأن نكيل للجدد جميع الواجبات على الفور، فالتدرج من أفضل الوسائل لتربية النفس.

ثم سأله المريض: وهل عليَ أن أغير اسمي؟

فقال الشيخ: لا، ليس شرطاً.

فرد المريض: لكني أريد أن أغير اسمي إلى حسن.

فسأله الشيخ: وهل لذلك من سببٍ؟

فأجاب: كنت في زيارةٍ إلى المغرب وتجولت بين شوارعها، وإذا بأحدهم يرحب بي ويدعوني لزيارته في بيته، فظننت في بادئ الأمر أنه يريد أن يسرقني، ورغم ذلك دخلت بيته، فوجدته يبالغ في إكرام وفادتي، فزاد شكي بأن في الأمر شيءٌ غريبٌ،.. وحدثت نفسي أن أتظاهر بالنوم، على أن أكون حذراً.. وإذا بالرجل يتعامل بتلقائيةٍ شديدةٍ ولا شيء غير الكرم الصافي.. ثم سألته: لماذا كل هذا؟ فأجاب: أنت ضيف بلادنا، وهذا واجبنا تجاه الضيف، أن نكرمه بأفضل ما نستطيع، وحقه في الإسلام علينا ثلاثة أيامٍ.. فعجبت من هذا الدين، وأردت التعرف عليه أكثر فلم يكن أمامي سبيل إلا أن أعلن في الصحيفة عن حاجتى لقسيس مسلم يعمدني الإسلام، لأصبح أخًا لحسن المغربي وألقاه العام المقبل وقد أسلمت مثله.. حتى أنني أريد أن أغير اسمي لحسن كرامةً لهذا الرجل الشهم، الذي أًصبح أعز صديقٍ لي في كل الدنيا.

ثم نطق الرجل بالشهادة خلف شيخنا، وخرج الشيخ عائداً إلى مسجده.

وما أن عاد إلا أن تلقى اتصالاً مرةً أخرى من جار الرجل المريض الذي أعلن إسلامه للتو، فقال له: هل هناك ما أساعدك به ثانيةً؟ فأجاب الجار النبيل: لقد مات جاري المريض، وخرجت روحه بمجرد أن خرجت أنت من الغرفة..!

فبكى الشيخ واطمأن قلبه إلى أنه لم يقصر مع الرجل، فلو كان قد أكمل الطريق إلى بيته ولم يذهب لتوه إلى المسجد أول مرةٍ، فلربما مات الرجل دون أن يسلم.. وهذه هي نتيجة الجهد والنشاط أيها الإخوة، فلا تستهينوا أبداً بدقيقة نشاطٍ في سبيل الله.

 

وقد مر الكثير من الوقت حتى حكى شيخنا لآخر من الأفاضل الكرام ما حدث معه وكيف تأثر بذلك وأصبح يلوم نفسه على أي دقيقةٍ يقصر فيها في عمل الخير.. ثم حكى الشيخ الأخير هذه القصة في إحدى خطبه، وسمعه من سمعه..

وكان من بين السامعين شابٌ من أهل المغرب الكرام، سمع وأنصت، ثم حكى لأمه في المغرب عبر الهاتف، فبكت وقالت له: إن عمك حسن قد استضاف ألمانيًا عنده منذ نحو 20 سنة لعله هو، فسأل عمه فقال له: القصة متطابقة مع الألماني الذي استضفته هل يمكن أن تسأله في أى عام حدث هذا؟

فسأله الشاب، واتصل بالشيخ صاحب الشأن فقال: عام 1981، فقال وقع هذا معي في ذات العام.. الملفت في الأمر أن حسن المغربي رجلٌ عاديٌ غير متعلمٍ، وليس إماماً ولا شيخاً، بل هو مدخنٌ.. ولما علم بالقصة قال: الآن آن أوان التوبة الصادقة، والعودة الحقة إلى الله، فكان حسن المغربي سببا في إسلام حسن الألماني، وكان الأخير سببا في هدايته، وكان المغربي سببا في هدايته بخلق الكرم والسماحة مع شخص أجنبي لا يعرفه وعمل سلوكه في قلب ونفس الألماني رغم أنه لا يعرف اللغة ولم يحدثه عن الإسلام بمحاضرة فلسفية طويلة.

 

إخوتي الكرام.. إننا لم نذكر هذه القصة لمجرد التندر ومصمصة الشفاه، لكنها جزءٌ من الواقع الذي نعيشه جميعاً كل يومٍ وكل دقيقةٍ، فأنت رغم مشاغلك ومسئولياتك، رسولٌ في زمانك ومكانك، رسولٌ لجيرانك وزملائك.. وإن لم تفعل فما بلغتك رسالتك.

والسؤال المنطقي الآن

كم منا حسن؟

كم منا فعل مثله ولم يتحجج بكونه ليس عالماً ولا شيخاً، ولم يتحجج بكونه ليس مليونيراً وأن عليه أن يكدح.. حسن كان شخصاً عادياً جداً، ليس بأفضل حالاً منك.. لكنه كان أوعى منك بدينه، بقلبه وكيانه.. فكان عمله مصداقاً لما وقر في قلبه، فقط وبكل بساطة.. لم يعقد الأمور ولم يتحجج مثلك.

 

أننا جميعاً نعرف أن الإسلام لم ولن ينتشر بالسيف، وأن مئات الملايين في آسيا وأفريقيا قد أسلموا فقط بسبب حسن معاملة التجار المسلمين حين ذهبوا إلى بلادهم، مثل أندونيسيا وماليزيا وكثيرٍ من دول أفريقيا.. فجميعهم لم يروا السلاح منا قط.. وفي المقابل نعرف جميعاً أيضاً أن الإسلام يتهم زورا ًبأنه انتشر بحد السيف.. لكن مَن منا حاول تصحيح المقولة الأخيرة الزائفة هذه؟ وهل يكون تصحيحها بالصياح ورفع الصوت؟ أم بالسكوت والانزواء وإيثار السلامة في المنزل؟!

أم أنك شخصٌ تحاول مجرد التلفظ بعباراتٍ دينيةٍ مثل (حسبنا الله ونعم الوكيل) ثم أنت أبعد ما تكون عن معناها، لأنك لا تعمل بمقتضاها الذي يوجب عليك أن تعقلها أولاً قبل أن توكل إلى الله أمرك وحسابك..!

أين بصمتك في مجتمعك من حولك؟

أليس هذا هو ما سيسألنا الله عنه؟ لن يسألك الله عن نوع سيارتك ولا ماركة ملبسك.. بل هو سائلك عن جيرانك وحقهم عليك في إبلاغ دعوتك إليهم عملياً وليس لفظياً.. إن زملاءك وجيرانك سيقاضونك أمام الله عن تقصيرك في دعوتهم بالحسنى إلى دينه عز وجل، وسيكون لهم عذرهم أن الإسلام الحق لم يصلهم منك ولا من غيرك، فحتى إعلام المسلمين كثيراً ما يكون أشبه بإعلام اليهود، لا إسلام فيه.. فأين لهم أن يأخذوا صورة الإسلام الحقة.. والكارثة إخوتي أنهم سيكونون معذورين، لكننا نحن الذي نفتقد العذر، لأننا لم نقم بواجبنا تجاههم.

فهل ننتظر مصيرنا ونبخل على القوم بالدعوة إلى دين الله بالحسنى؟ هل سنضن عليهم بالمعاملة التي تليق بدين الإسلام.

إن الكثيرين منا يستمتعون بالحكم على هذا وذلك بالجنة والنار، وكأنهم قضاة الآخرة حصلوا على توكيلٍ من الله بالفصل بين الناس وتوزيعهم، وينسون أنفسهم وواجبتهم.

في حين أن المقصرين هم نحن، وليس من نحكم عليهم دون أن يطلب منا الله ذلك.. فلنقم بواجبنا، فنحن دعاةٌ لا قضاةٌ كما قال أحد علمائنا المعاصرين، الذي ألف كتاباً خاصاً بذلك، كي يفهم شبابنا ونحن من قبلهم حقيقة مهمتنا، وأن الدين هو المعاملة، وليس المجادلة.

 

وهنا أختم الشق الأول من حديثي وأسأل الله أن يعنا على تصحيح ما لدينا من مفاهيم لا أصل لها إلا في عقولنا القاصرة،.. فاللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

 

=========================

 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

أما بعد..

عباد الله..

كلُ عامٍ يتكرر نفس السؤال تقريباً، بمعنى أن عمرك لو كان أربعين عاماً، فإنك على الأقل ستكون قد سمعته ثلاثين مرةً في حياتك.. ورغم ذلك نكرر ذات السؤال دوماً، بل ويصر بعضنا على التشدق بالتحريم، ويرفضون سعة الإسلام ورحابته، ويقفون فقط عند قدامى العلماء، رافضين أراء المعاصرين المعايشين لمعيشتنا وأوضاعنا كمسلمين في الغرب.. ورغم أن المسألة اجتهادية خلافية، وأنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية، إلا أن المشكلة هي عدم احترام رأي المبيحين أصلاً في نظر المحرِّمين، واتخاذ المسألة سبيلاً للتفسيق، ويستسهلون إثم ذلك، وربما يتعالى البعض فيصل إلى التشكيك في إيمان من يهنئ النصارى بأعيادهم، ويغفلون تماماً عن أن تكفير المسلم أو تحقيره إثمٌ كبيرٌ.. ومن الإشكال أيضاً أن تصر على فتاوى غير معاصرين لك، وغير مدركين لأوضاع الجالية الإسلامية في بلاد الغرب، وأن تتناسى أن من قواعد الفقه أن تستفتى فقيه محل إقامتك، تطبيقاً للمقولة: أهل مكة أدرى بشعابها.

 

وحجة من يقول بتحريم تهنئة النصارى بأعيادهم أن في ذلك إقرارٌ بعقيدتهم وتأييدٌ لها، ويزيدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلها قط.. والرد على ذلك بسيطٌ جداً، فعدم فعل الرسول صلوات الله وسلامه عليه لذلك لا يعني تحريمها، ولو كان الأمر كذلك لنهى عنها، وما كان صمته عن هذا الأمر إلا لعدم الحاجة إليه، فالأمر فيه سعة أكبر من غيره يا إخوة..

أما أن مجرد التهنئة بضوابطها الصحيحة (أي بجملٍ لا تحمل شركاً بالله)، قد تكون إقراراً لهم في عقيدتهم فهذه سطحيةٌ لا تليق بفقيهٍ مسلم، لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد استقبل وفداً من نصارى نجران وأذِن لهم بالصلاة في مسجده، فهل كان ذلك إقراراً منه لهم على معتقدهم وصلاتهم؟! كما قام النبي صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي، فهل كان قيامه إقرارا له على معتقده؟!

إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فضيق الأفق الذي يفضل الرفض والتشديد دون دليلٍ قطعيٍ، لهو أسلوبٌ يهدم ولا يمكن أن يبني في مجتمعٍ أوضاعه حرجةٌ وحساسةٌ كما هو الحال مع الجالية الإسلامية في ألمانيا، فإذا كان هذا هو ديدن هؤلاء الإخوة، فمن للمشاكل الكبرى لنا هنا؟

هل فرغنا من حل مشاكل أبنائنا في المدارس، وأبنائنا في الزواج، حتى يروق لنا اختيار التشدد في المسائل الخلافية ونتفرغ لتسخيف أراء كثيرٍ من الفقهاء ورفضها إلى حد وصل بالبعض إلى شتم أعضاء المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بما به من قاماتٍ علميةٍ كبيرةٍ، وفي المقابل لا يفكر هؤلاء في إيجاد أي حلٍ لأي مشكلةٍ معاصرة؟؟

 

نتعشم أن يمر علينا عامنا القادم ولا نرى هذا الاختلاف يتكرر كما سبق في كل عامٍ طيلة عشرات الأعوام السابقة هي مدة عملنا مع الجالية الإسلامية في أوروبا.. حينها سيزداد تفاؤلنا بأننا بدأنا نفيق أخيراً من غفلتنا ونعي واقعنا ونعمل على حل معضلاته التي تتطلب فعلاً منا جهداً جهيداً.

 

أدعو الله العلي الكريم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه..


 

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا:

 

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا واصرف اللهم عنا برحمتك شر ما قضيت..

 

اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل، وكره إلينا معصيتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل.

 

اللهم اجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، واجعل أسعد أيامنا يوم أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم كن لإخواننا المظلومين، وارفق بهم وهَوّن عليهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم عجل للحق بنصرك المبين، وثبتنا عليه بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

وآخر دعوانا أنِ الحمد لك يا رب العالمين.

 

خميس 30 ديسمبر 2021

عرض التفاصيل
خطبة الجمعة ١٧/١٢/٢٠٢١: أبناؤنا في المدارس الغربية

خطبة الجمعة ١٧/١٢/٢٠٢١: أبناؤنا في المدارس الغربية

عباد الله..

من غير الإنصاف لأنفسنا ولأبنائنا أن نستمر في لعب دور الضحية مكسورة الجناح، ونرفض أن نكون فاعلين في المجتمع من حولنا.. فكيف لنا في عصرنا الذي نعده متطوراً أن ننسى القواعد التي بدأت عليها حضارة المسلمين؟!

هل نسيتم تلك المرأة التي وقفت في خطبة الجمعة معترضاً على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ودافعت عن حقها بالحسنى أثناء الخطبة فأقرها وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر..

ثم أنسيتم أيضاً ذلك الطفل الذي استدعاه عمر بن الخطاب أيضاً عندما سمع من أبيه أن ابنه هذا قد عقه؟ لقد دافع الطفل عن حقوقه التي لم يمنحها له أبوه، فأقر عمر كلام الطفل وقال لأبيه: لقد عققته قبل أن يعقك..!

هل هكذا أطفالنا ونساؤنا الآن؟ أم أن عدوى الديكتاتورية قد سادت في بيوتنا، ونسينا سماحة الإسلام ورقيه فوق جميع الحضارات وقبلها؟

لقد رسخ الإسلام أسس حرية الرأي قبل غيره من الحضارات بقرونٍ طويلةٍ، لكن السياسة المعاصرة في بلادنا هي من ألغت كل ذلك من حياتنا، وأفهمونا أن للحوائط آذانٌ تتنصت علينا، فالأولى أن نسكت كي نؤثر السلامة..!

والحق أننا لا نريد أن يستغرق الأمر أعواماً مديدةً أخرى كي نستعيد شعورنا بالحرية التي سبق بها إسلامنا هذه البلاد.. بل نريد أن نستفيق على الفور من غفلتنا هذه، وأن ندرك أنه يجب أن نعمل من أجل حقوقنا، وأن السياسة من حولنا لا تلعب أبداً دور الأم الحنون التي ستعطف علينا من تلقاء نفسها..!

بل يجب علينا أن نتحرك، وأن نفهم أن أهل الشذوذ الجنسي مثلاً ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن إلا لمثابرتهم، وهذه من الأمور التي يجب أن نقر لهم بها، فهم مثابرون أكثر منا، بل وبأضعاف كثيرة.. نحن الذين امتدح الله المرابطين فينا خلف مشاريع الخير، ونحن الذين لم نعد نفقه من هذا الرباط شيئاً، فتركناه لمن نتندر عليهم بشذوذ مسلكهم، ونحن أولى منهم بالدفاع عن عقيدتنا بجميع الأساليب والطرق الإيجابية.

لنريهم من أنفسنا خيراً، ومن قبلهم ليرى الله منا خيراً، لنبدأ فعالياتنا للحفاظ على حقوق المسلمين في ألمانيا، قبل أن تستفحل القوى اليمينية المتعصبة ضد الإسلام والمسلمين، ونرى أنفسنا مضطهدين منهم ونحن الذين سكتنا وأعطيناهم الفرصة لذلك.. يجب أن نتعاون مع المعتدلين وأن نقوي من شوكتهم ما داموا هم الأفضل لنا، أما أن نسكت ونكون في محل تقبل الضغوط كما تعلمنا من بلادنا ونكتفي بكلمة حسبنا الله ونعم الوكيل، فهذا مرفوضٌ تماماً من إسلامنا الذي علمنا أن نعقلها أولاً ثم نتوكل على الله.. وهنا تأتي كلمة نعقلها، فكيف تكون؟

أولاً يجب أن نكون إيجابيين في المجتمع، فالدين هو المعاملة، وكم من عشرات الملايين الذين أسلموا لمجرد حسن معاملة المسلمين، وما ماليزيا وأندونيسيا عن تاريخنا وحاضرنا ببعيد.. وكي لا يظن البعض أن هذا مجرد تاريخٌ لا مكان له في الحاضر، أريد أن أذكر لكم موقفاً حدث في مدينةٍ مجاورةٍ لدوسلدورف.. إذ علمت امرأةٌ متعصبةٌ كبيرةٌ في السن أن أسرةً من أهل سوريا الكرام سوف تسكن بجوارها، فخافت منهم وبدأت تعمل في سورٍ فاصلٍ بينها وبينهم قبل أن ينتقلوا بالفعل إلى البيت المجاور لها، وأثناء عملها في السور أتى إليها شخصٌ يعرض مساعدتها في بناء السور، فسألته عن نفسه، فأجابها أنا جارك الجديد.. فما كان منها إلا أن ضحكت، ثم أردفت قائلةً له: إنما كنت أبنيه لأحمي نفسي منكم، فقد سمعت عنكم ما يدفعني لذلك.. لكنني لست بحاجة لهذا السور بعد الآن..!!

وهنا إخوتي الكرام نتساءل: من نقل هذه الصورة عنا لهذه السيدة بهذا السوء؟ يجب أن نعمل لتصحيحها بسرعةٍ ما أمكننا ذلك، علينا أن نوصل إليهم صورة الإسلام الحقيقية وإيجابياتها، ولهذا فإننا ننظم عادةً بعض الفعاليات المشتركة بهذا الهدف، الأمر الذي لا يمنع مطلقاً أن يكون لكلٍ منا دوره منفرداً أيضاً مع جيرانه وزملائه في العمل.. ولا ننسى أبداً أن الدين هو المعاملة.

وفي الخطبة الثانية سنتناول إن شاء الله حال أبنائنا في المدارس هنا، وكيف نصححه بحولٍ من الله وفضل.

وهنا أختم الشق الأول من حديثي وأسأل الله أن يعنا على تصحيح ما لدينا من أخطاءٍ،.. فاللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

=========================

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد..

عباد الله..

نتحدث في هذه الخطبة لنلخص موضوعاتٍ سبق وأن تناولناها بشكلٍ متفرقٍ، أولها عن حملة الحجاب في المدارس، وثانيها عن حملة لتحويل القليل من المدارس الحكومية إلى إسلاميةٍ أسوةً بالكاثوليكية واليهودية وغيرها.

وقد يتساءل البعض: من أين لكم كل هذه الجرأة لتطلبوا ذلك؟

والإجابة في غاية البساطة، وهي أن نسبة المسلمين في دوسلدورف هي ٩٪ من كامل مواطنيها، فهل يمكن أن يكون هذا عددنا وليست لنا أية حقوق، في حين أن الجالية اليهودية نحو ١٪ فقط ولهم مدرستان؟؟

الفرق هنا لصالح الجالية الإسلامية بكل وضوحٍ يراه حتى الأعمى، لكننا مؤدبون متواضعون لا نطالب بشيءٍ بتاتاً، ونكتفي فقط بالحسرة والندامة، ولو كان الواحد مننا يظن في نفسه بعض التدين لزاد قائلاً: حسبنا الله ونعم الوكيل..!

انهض يا أخي، فالعمل في الإسلام ليس بمجرد النية التي تظنها، لأن النية لا تكون صادقة إلا لو صحبتها العزيمة الحقيقية.. ولن نحقق لأبنائنا شيئاً بمجرد التمني، بل بالحراك والفعاليات الإيجابية.

أعتقد أن كلمة حراك إسلامي هي غريبةٌ فعلاً عن هذا المجتمع، فطيلة قرونٍ كان السكون هو سمة المسلمين الأساسية هنا.. وهو ما نريد له أن يتغير الآن.. لكن كيف؟

نؤكد بحمد الله أننا قد خططنا لحملةٍ للدفاع عن الحجاب في مدارس المدينة، رغم علمنا أن غالبية أهلها يتقبلونه ولا يضيرهم في شيء، لكننا هنا لا نتحدث عن الغالبية، بل نتحدث عن البعض منهم الذين يكرهون كل ما هو إسلامي، وكم وصلت إلينا شكاوى من أولياء الأمور المسلمين بأن بناتهن يتعرضن لمضايقاتٍ من بعض المعلمين المتعصبين.. ونحن لا نريد مواجهاتٍ تسيء لنا أو للمجتمع ككل، لكننا نريد أن نخطر إدارات المدارس التي نرغب في عمل وقفات احتجاجية فيها، بأن بناتِنا وأبناءنا سوف يقفون في المدخل الرئيسي للمدرسة في فسحة اليوم المدرسي، يحملون يافطات عليها صورٌ رمزيةٌ لمحجبة وراهبة، وكلاهما يرتدين غطاء الرأس نفسه تقريباً، وعلى هذه اليافطات أسئلة منطقية، عن لماذا التفرقة بين غطاء الرأس هذا وغطاء الرأس هذا؟ ولماذا تعتبرون المسلمة منهما غبيةً وتقولون إن حجابها هو غطاءٌ للرأس والعقل معاً، في حين تحترمون نفس غطاء الرأس لو ارتدته راهبةٌ ولا تعتبرونه مغيباً لعقلها؟

ثم بعد انتهاء الوقفة تتجه بناتنا إلى الفصول، ليطرقن أبوابها، ويعطين كل مدرسٍ ومدرسةٍ وردةً بيضاء تعبر عن التقدير والاحترام، سواء منهن تجاه المدرسين أو من المدرسين تجاههن، وهي الرسالة المطلوب توجيهها لهم بدون طول نقاش أو أي حديث.

هذه هي الحملة التي نريد أن نكررها في خمس مدارس كل جمعةٍ في شهر يناير إن شاء الله.. ونريد بالتوازي أن تكون هناك تغطية إعلامية لهذا النشاط.

ثم إن انتهينا ننتقل إلى الحملة التي تليها، وهي المطالبة بتحويل بضع مدارس لتكون إسلاميةً أسوةً بغيرنا من الديانات في المجتمع، فنحن على مشارف أن يكون عددنا عشر المجتمع، فكيف لا يكون لنا مدارس بها مساجد أو قاعات للصلاة، تقام فيها الصلوات اليومية والجمع، وتكون الإدارات فيها ذات توجهٍ إسلاميٍ محض، تماماً كغيرنا.. فنحن لا نعترض على وجود مدرستين يهوديتين مثلاً، لهم كل الحق في ذلك، لكن أين حقنا نحن أيضاً ونحن أكثر منهم بتسعة أضعاف عددهم؟؟

لنجمع كلمة المسلمين في المدينة، ليطالبوا بحقوقهم المنسية.. ولا نريد أبداً أن نستسلم لمن يقول أي مسلمين، السنة أم الشيعة أم غيرهم.. فهذا والله من المثبطين، إذ أن لليهود أيضاً فصائل عميقة الاختلاف، بل ومتحاربة أيضاً، أفلا تكون الوحدة أولى بنا؟ ولو اختلفنا، فلنقل إننا نطالب بحقوق أهل السنة من المسلمين وفقاً لنسبتهم الغالبة ليس في دوسلدورف وفي غير دوسلدورف.

لا تدعوا أحداً يوقفكم، فأبناؤكم أحوج ما يكونون إلى هذه الحقوق المهضومة على مدار عشرات السنين.. أفما آن الأوان لذلك؟

إن الائتلاف الحاكم الجديد الآن قد فتح لكم أبوابه، فماذا تنتظرون؟؟!!

أدعو الله العلي الكريم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يعيننا جميعاً على إتقان العمل من أجل المسلمين.

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا:

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا واصرف اللهم عنا برحمتك شر ما قضيت..

اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل، وكره إلينا معصيتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل.

اللهم اجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، واجعل أسعد أيامنا يوم أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم كن لإخواننا المظلومين، وارفق بهم وهَوّن عليهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم عجل للحق بنصرك المبين، وثبتنا عليه بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لك يا رب العالمين.

جمعة 17 ديسمبر 2021

عرض التفاصيل
خطبة الجمعة ٠٣/١٢/٢٠٢١: كيف يدافعون عن حقوق المثليين وكيف ندافع عن حقوق المسلمين؟

خطبة الجمعة ٠٣/١٢/٢٠٢١: كيف يدافعون عن حقوق المثليين وكيف ندافع عن حقوق المسلمين؟

عباد الله

إن من أكثر الظلم أن يرى المرء بعينيه الكيل بمكيالين ممن يدعون العدالة والمساواة، لكن يبدو أنها عدالة لفئة على جانب، وظلمٌ كبيرٌ لفئةٍ أخرى لا تروق لهم.

وهنا نعني تحديداً الموجة المتزايدة عاماً بعد آخر من أجل تأييد المثليين والترحيب بما يفعلون، وكأنما يمجدونهم ويعتبرونهم قمة ما وصلت إليه البشرية من أخلاق!!

وهنا لا نبالغ في تقييمنا للأمر، فالشركات الكبرى تجعل عَلَمهم المعروف بألوان الطيف شعاراً لها، حتى أننا لو أردنا أن نتعامل مع بنكٍ مثلاً وجدنا علمهم يرفرف على شعار البنك، ولو حضرنا فعاليةً رياضيةً أو حدثاً ترفيهياً بالمدينة لوجدتهم أمام عينيك مرةً أخرى، وقد حاولنا بالفعل تنظيم أحد هذه الأحداث الرياضية الكبيرة على مستوى المدينة وما حولها، وبعد حصولنا على الموافقات علمنا أن هؤلاء سيشاركوننا وهو ما يخالف عقيدتنا بكل وضوح.. فما كان منا إلا أن ألغينا هذا الحدث حتى لا يقال بأننا ندعم المثليين نحن أيضاً.

وعلى الجانب الآخر نجد أن من يدافعون عن هؤلاء بداعي أن هذا حقٌ إنسانيٌ أصيلٌ في زعمهم، وأنه لا ينبغي أبداً اضطهادهم، بل يدعمونهم بكل قوةٍ، نجد هؤلاء ينقلبون وينكصون على أعقابهم حينما تطالبهم بنفس ذات السماحة وحقوق الإنسان هذه، في حال كان هذا الإنسان مسلماً.. فهم في قرارة أنفسهم لا يقرون بحقوق المسلمين، وقد لا يعتبرونهم أناساً مثلهم، ووالله لا نبالغ إن قلنا أنهم يدعمون من يضطهد المسلمين، لدرجة أنه يمكن وصف الإعلام الأوربي في مجمله بأنه إعلام الكراهية ضد المسلمين.. فالمسلمون هنا هم في نظر الكثيرين أساس الإرهاب، فإن قلت لهم: كم قتل المتطرفون المسلمون؟ وكم قتل المتطرفون الأوربيون؟ فلن يجاوبوك، لأنهم يعلمون أن المتطرفين من المسلمين لم يقتلوا سوى أفراداً قلائل في مجملهم، في حين قتل متطرفوهم أضعاف ذلك بكثير.. وكثيراً ما ستسمع بأن أي حادثٍ يقوم به شخصٌ من أصولٍ عربيةٍ أو إسلاميةٍ، فإنما هو ذو دوافع إرهابية أكيدة، سيقولون ذلك فوراً وقبل أي تحقيقٍ، كما لو كانوا يعرفون دوافعه المزعومة أكثر من فاعله نفسه..!! 
أما لو كان هذا الحدث من غير مسلم، فستسمع دوماً في نشرات الأخبار أنه لم تعرف دوافع القاتل بعد..! كي لا يظن أحدٌ أبداً أن من الأوربيين أي إرهابي لا سمح الله، وكأن الإرهاب لا يخرج إلا من المسلمين..!

إخوتي في الإيمان.. هذا هو الواقع، وهذه هي المشكلة.. فما الحل؟

قطعاً لا يكون الحل بالاكتفاء بلوم هؤلاء فيما بيننا، أو أن نبدي تعجبنا مما نسمع.. ثم يشعر الواحد منا حينئذٍ أنه قد قام بواجبه كاملاً حينما مصمص شفاهه أمامك.. وهو ما يذكرنا بالقادة الأشاوس من العرب، حينما تقذفهم دولةٌ بالقنابل، ثم يكتفون جميعاً بأشد عبارات الشجب والندب..! وهم في ذلك أقل تأثيراً من المرأة التي تولول إذا ما أصابتها مصيبةٌ.. فهي على الأقل ستسمع غيرها وستحاول استعطاف من يساعدها على مصيبتها.. أما هؤلاء القادة الأفذاذ فأكبر همهم هو كتابة برقيةٍ يقرؤها مذيع نشرات تلفازهم لذر الرماد في العيون ولحفظ ماء الوجه غير الموجود أصلاً..!

 

إن الحل إنما يكون بالفعل لا بالقول.. والفعل المقصود هنا يكون أن يواجه الفكر بالفكر والإعلام بالإعلام.. وما وصل هؤلاء الشواذ جنسياً إلى حالهم هذا من التأييد إلا بنشاطهم الدؤوب حقاً.. إنهم يتحرون البحث عن أي فعاليةٍ أو مناسبةٍ حتى يحضروها، وإذا حضروها أحضروا معهم أعلامهم، أو لبسوا ملابس تحمل ألوانهم، حتى يراهم القاصي والداني، وحتى يعتاد الناس على وجودهم فيقبلوا بهم ويعتبرونهم جزءاً أصيلاً من المجتمع، كما يحدث الآن بالفعل..

فإذا كان هؤلاء يدافعون عن باطلهم بهذه القوة، أفلا يستحق الحق أن ندافع عنه بنفس هذا الحماس أو يزيد؟

لماذا ينشط هؤلاء في نصرة الباطل ونتكاسل نحن في الدفاع عن الحق؟!

هل يمكن أن نطلب من كلٍ منكم أن ينذر لله بعضاً من الجهد الذي يبذله أيٌ من هؤلاء؟

إن غالبيتكم يستحون من الدفاع عن الحق، ولو أعطينا أياً منكم الآن علماً أو حتى مجرد ورقةً صغيرةً يحملها ليقول للمجتمع بها ولو كلمةً واحدةً عن إسلامه، سنجد تردداً كبيراً منكم وكأنما نعطيكم قنابل وليس ورقاً.. رغم أن هذا الورق لا يحمل إلا ما يجب أن تفخرون به بين الناس، فإسلامكم ليس به انحطاطٌ تتحرجون منه، بل قمة الرقي الأخلاقي وقمة الإنسانية.. فلماذا تتحرجون في الدفاع عنه؟!!

إننا نتعجب أن تدافع بعض النساء غير المسلمات أساساً عن الحجاب في البرلمانات الأوربية، في حين تستحي المحجبة المسلمة أن تشارك في مسيرةٍ تطالب بحرية ملبسها ومعتقدها..!

عجبنا فعلاً من امرأةٍ ألمانيةٍ غير مسلمةٍ، كانت تلبس الحجاب، ومن تحته لباس الراهبات، ثم تسأل الألمان: لماذا تكرهون هذا الحجاب، ثم تخلعه وتقول: لكنكم تحترمون لباس الراهبات هذا، رغم أنهما لا يختلفان أبداً..!

ثم تتعجب قائلةً: لماذا تدعون أن الحجاب يحجب عقل المرأة عن التفكير ويحولها إلى مجرد دمية؟ في حين لا تقولون حرفاً من ذلك عن نفس الملبس لو كان لراهبةٍ؟!!

 

فإذا كان هذا هو ما قامت به امرأةٌ واحدةٌ وغير مسلمة، فما هو دورك أنت؟

 

هذا هو ما سنتحدث عنه في الخطبة الثانية، وربما في خطبٍ لاحقةٍ إن شاء الله تعالى وقدر لنا أن نكون بين ظهرانيكم.

وهنا أختم الشق الأول من حديثي وأسأل الله أن يعنا على تصحيح ما لدينا من أخطاءٍ،.. فاللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

 

=========================

 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد.. 

عباد الله.. 

إن عليكم أن تختاروا بين أن تكونوا أمثال القادة العرب الذين لا قيمة ولا وزن لهم في عالمنا، أو أن تكونوا أنتم النسخة الأفضل لتلك المرأة التي ذكرناها لكم في نهاية الخطبة الأولى.

 إن هؤلاء لا يبتغون ثواباً عما يفعلون، بل يقومون به لقناعاتهم الشخصية.. فماذا لو قمنا به نحن مستندين فيه إلى القناعة الشخصية وإلى الثواب الرباني معاً؟ فهل ننتظر منكم بناءً على ذلك مجهوداتٍ أكبر؟

إخوتي في الله.. افعلوا ما تستحقون أنتم، وما يستحق أبناؤكم من كرامة، ودينكم من عزةٍ.

كونوا مجموعاتٍ فيما بينكم، ولتكن كل مجموعةٍ مسئولةً عن نشاطٍ ما.. إن مواقع التواصل الاجتماعي تسهل عليكم ذلك بشدةٍ، فقط أنشئوا هذه المجموعات، وادعوا إليها من يريد العمل فيها، وانشطوا ثم انشطوا.. كونوا عباد الله إخواناً، كونوا من المرابطين وراء الحق، لا من النائمين عنه..!!

استغلوا الوسائل التكنولوجية لزيادة قوتكم، ولتنظيم مجهوداتكم، واجعلوا منها منصةً إعلاميةً بديلةً لإعلام الكراهية.. طالبوا بحقوقكم، فهي تؤخذ.. ولا توهب.

إنكم لو نظرتم حولكم ستجدون وسائل كثيرةً أمامكم كنتم تجهلون فائدتها لكم، لأنكم لم تفكروا فيها.. فمنكم الكثير من الأصوات المسموعة، لكنها ليست مستثمرةٍ بالقدر الكافي.. إن من بين أبناء المهاجرين مثلاً من هو فنانٌ ساخرٌ ناقدٌ للمجتمع المحلي هنا، وهو في ذات الوقت محبوبٌ ومقدرٌ من الألمان، فلماذا لا ندعمه؟ لماذا لا نكثر من مجهوداته ومجهودات أمثاله من أجل تصحيح صورة المسلمين، ولو بصورةٍ نقديةٍ ساخرةٍ؟!

استجمعوا قواكم بكل مفرداتها، ولا يركن أحدكم إلى الآخر.. واعلموا أن القطار يحتاج إلى كثيرٍ من تضافر القوى كي يتحرك، وسيكون بطيئاً أمام الناظرين.. لكنه إذا تحرك فسينطلق وسيكون من الصعب تعطيله بعد ذلك.. فهل أنتم لاحقون بالركب؟ أم من القاعدين عن مناصرة حقوقكم؟

لماذا لا تنظمون حملةً لدعم حجاب المسلمات؟ نوزع فيها أوراقاً ويافطاتٍ على بناتنا في المدارس، ثم نطلب منهن أن يقفن في وقتٍ واحدٍ في كامل المدينة أمام جميع المدارس، كلٌ أمام مدارسهن.. لنشجع بناتنا، وليقف معهم أبناؤنا من الشباب أيضاً.. ليكونوا جميعاً أول المدافعين عن عقيدتهم، وأجزم أن ذلك لن يفيدهم فقط في رفع قيمة الحجاب في المدارس، بل سيرفع معنوياتهم في العديد من المناحي، لا سيما حينما يرى هؤلاء ألطلاب المسلمون أن أعدادهم كبيرةً أكثر مما كانوا يعتقدون.. وسيشجع غيرهم من الطلاب المتكاسلين ليشتركوا معهم في الدفاع عن رفعة الإسلام، حتى لو لم يكونوا مثلاً من المصلين.
وسنكون معكم في كل خطواتكم، بل في مقدمة المجتهدين من أجل مصلحتكم كمسلمين.. وكي لا ننتظر التحرك من غيرنا ونظل صامتين إلى ذلك الحين، فسنبادر نحن بتجهيز هذه الأوراق وبعض اليافطات، وسنخاطب كل مدرسةٍ يصلنا من أيٍ من طلابها وطالباتها أنهن يرغبن في المشاركة في مثل هذه الوقفات المعبرة عن الرأي، والتي يسمح بها القانون هنا بكل أريحية، بل إن الجميع سيحترمونكم أكثر، حينما يرون أن لكم رأياً تدافعون عنه بهذا التحضر.

فهل توافقوننا الرأي وتشاركوننا المسير؟

 

أدعو الله العلي الكريم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يعيننا جميعاً على إتقان العمل من أجل المسلمين.

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا:

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا واصرف اللهم عنا برحمتك شر ما قضيت.. 

اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل، وكره إلينا معصيتك، وكل ما قرب إليها من قولٍ وعمل.

اللهم اجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، واجعل أسعد أيامنا يوم أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم كن لإخواننا المظلومين، وارفق بهم وهَوّن عليهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم عجل للحق بنصرك المبين، وثبتنا عليه بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لك يا رب العالمين.

جمعة 03 ديسمبر 2021

عرض التفاصيل

حقوق النشر IT Union GmbH © 2021