خطبة الجمعة - كيف نتقوى ونصحح أوضاعنا

7 ديسمبر 2023 بواسطة
Event Manager

عباد الله:


إن الكثير من الأمور التي كانت طبيعيةً في بلادنا الأصلية لم تعد متاحةً في بلاد مقامنا هذه، التي أصبحنا جزءاً منها وأصبحت هي بدورها جزءاً منا.


لكن القليلين الذين ينتبهون إلى ذلك، بل إن الأمر يمر عليهم لا أقول مرور الكرام، لكن مرور اللاهين الساهين.. والأقل من هؤلاء من يفطن إلى كيفية معالجة هذا القصور الشديد في حياتنا هنا.. ثم في النهاية نتساءل عمن يعمل مع المسلمين هنا على تصحيح هذه الأوضاع بشكلٍ عمليٍ وإيجابيٍ.


وكأننا لا نعلم أو ربما نسينا حديث رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه على أطهر خلقه، حين قال: (قيام ساعةٍ في سبيل الله، خيرٌ من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود).. وهنا أرجوك أخي الكريم ألا يمر عليك هذا الحديث هكذا بدون تركيزٍ فيه. أرأيتَ أن نبيك قد أوضح لك حجم الثواب الذي لم تكن تحلم به طوال حياتك؟ إنه ثواب ليلة القدر لمن علمها تحديداً ولم يخفِها الله عنه، ثم إنه قد ارتحل إلى بيت الله الحرام ليقيم ليلة القدر هذه فيه، حيث الحسنة به بمائة ألف ضعف، ثم إن الرجل لم يكتفِ بذلك، بل تم إفساح المكان له بجوار الحجر الأسود، وهو أطهر بقعة في الكون كله.. لمن كل هذا الثواب الذي نعجز عن عده وإحصائه وهو بهذه الضخامة؟.. إنه لمن قام يجاهد في سبيل الله ساعةً واحدةً...! نعم ساعة، ولم يقل يوماً..


فتعال معي لنعرف نوعية الجهاد المطلوبة في هذه البلاد.. أنت بالتأكيد لستَ ساذجاً لتقول إنه جهاد السيف وما شابهه، بل أنت واعٍ تماماً وتعرف أن أفضل الجهاد في هذه البلاد هو ما كان لإصلاح أوضاع المسلمين فيها، أولئك الذين يعانون الأمرين دون أن يشعر بهم أحد.. فمنهم الزوجة التي تركها زوجها لأنه يعيش فترة مراهقةٍ متأخرةٍ جديدةٍ وذهب لأخرى مرتداً عن شيم الرجال التي نسيها مع مرور الوقت، ومنهم الأم التي باتت وحيدةً لا تدري كيف تربي أبناءها في هذه البيئة الصعبة جداً، حتى أننا سمعنا من هؤلاء ما يدمي القلوب، فهذا ابنٌ أدمن المخدرات وبات يتاجر فيها ليستطيع دفع ثمنها، وهذا آخرُ تجرأ على صفع أمه بالقلم على وجهها..!! يا الله.. ما كل هذه المآسي؟


ألم أقل لكم إن بيوتنا هنا تخفي بداخلها الكثير من المصائب والابتلاءات الشديدة؟؟!!


ثم انظر إلى الشباب الذين باتوا فاقدين للهوية ومن بعدها للهدف من الحياة، فهم ليسوا ألماناً، وليسوا عرباً، بل لا يريدون أن يصمهم أحدٌ بأنهم عرب، فالعرب في نظرهم يمثلون قمة التخلف والرجعية في العالم، وأنت الذي أوصلتهم لذلك، فمجيئك إلى هذه البلاد دليلٌ على أنها الأفضل دون أن تقول لهم هذا بشفتيك.. وهم يرون من مساجدنا الغلظة والتأخر في كل شيءٍ تقريباً، وفي المدارس الحكومية يرون العكس تماماً.. أفتنتظر منهم تقييماً غير ذلك لنا ولإسلامنا وقيمنا؟!! عن أي قيمٍ تتحدث؟!!


ثم هاك الأطفال يلقنونهم حتى في روضات الأطفال ما يخالف عقائدنا وتقاليدنا بالكلية.. فماذا تتوقع لهم أن يكونوا؟ شيوخاً أم ملحدين أم ربما تنصروا منذ نعومة أظفارهم...!


أفلا تزال ترى مواجهة وتصحيح كل هذا، ليس بالجهاد الذي أراده رسولنا الكريم في حديثه عن ذلك الثواب منقطع النظير؟!!


إذن.. ماذا تنتظر يا عبد الله؟


لنضع أيدينا في أيدي بعضنا البعض، ولنبدأ السعي لتدارك ما فاتنا وما آلمنا وآلم بيوتنا من مآسٍ ضخامٍ.. إن الأمر ليس بالصعب المطلق، ولا أيضاً بالسهل المطلق.. لكنه ببعض التخطيط، ومن قبل ذلك بتوفيقٍ من رب الكون، سيكون متاحاً لنا التصحيح.. فإن الله لم يكلفنا ما لا نطيق، وهو القائل سبحانه وتعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).. أليس كذلك؟!!


أدعي أنني قد أوضحتُ لك حجم المشكلة، وحجم ثواب علاجها، وكيف أنه متاح بالدليل القطعي من القرآن الكريم.


إذن.. عرفتَ فالزم، كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس.


وللحديث بقية، إن أراد الله لنا ذلك.


نسأل الله أن يعنا على جهاد أنفسنا، وتقوية عزائمنا،.. فاللهم أعنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهم لا تَكِلْنا إلى أعمالنا ولا إلى أنفسنا طرفة عين، يا أرحم الراحمين.


أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.

ـــــــــــــــــ

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم


أما بعد..


عباد الله:


حديثنا في خطبتنا الثانية عن تلك الكيفية التي يجب أن نعالج بها هذه المشاكل الضخمة، وعن دور كلٍ منها في ذلك.


ونبدأ بالتأكيد على أن لكلٍ منا دوران أساسيان، الأول في بيته، والثاني في مجتمعه.


أما الذي في بيته فهو أنه بحاجةٍ ماسةٍ أولاً إلى فهم أن بيته بحاجةٍ إليه.. نعم، فلم يعد مجتمعك يساعدك على تربية أبنائك التربية الصحيحة، بل هو على العكس تماماً من ذلك، إذن.. فأنت بحاجةٍ إلى إيجاد الوقت اللازم لهذا أولاً، ثم عليك بتثقيف نفسك ثانياً، ولو حتى عبر اليوتيوب وابحث فيه عن محتوى يليق بما تحتاج، لا سيما فيما يخص العقيدة والثبات عليها ضد الشبهات التي نسمعها أو يسمعها طفلك كل يومٍ وفي كل مكانٍ هنا تقريباً.. ثم عليك أن تتحلى بعد ذلك بالأسلوب التربوي الذي تراه أفضل لأولادك وبناتك.


أما دورك في مجتمعك فينقسم إلى قسمين:


دورك مع أقرانك من المسلمين في هذا المجتمع


ثم دورك مع غير المسلمين، كي تساهم في تصحيح الصورة لديهم عن الإسلام والمسلمين الحقيقيين، وليس الذين يصورهم الإعلام على أنهم بقرون شيطان ملتحٍ، ويحملون الصواريخ في أيمانهم، والقنابل في شمائلهم..!!


ويهمنا هنا أن نركز أولاً على دورك مع المسلمين في مجتمعك هذا.. فلا يجب أبداً أبداً أن نقف مكتوفي الأيدي، ونشتكي أن مكتب الشباب في المدينة (Jugendamt) قد انتزع هذا الطفل من أبيه، وتلك البنت من أمها.. فالسبب لدينا قبل أن يكون لدى غيرنا.. ولا أقول هنا أنه لا يجب عليك أن تربي أبناءك في بيتك، أو أن تقبل بكل مهانةٍ كتلك الأم التي لم تجد مفراً من قبول صفع ابنها لها، كي لا تضربه فيأخذه منها مكتب الشباب ويحرمها منه طوال حياتها..


فقط نعرض عليكَ أن تتعاون معنا فيما يفيد عائلاتنا جميعاً.. لنجتمع في الترفيه عن أنفسنا وعن أبنائنا، ولنجتهد في ذلك، فهذه والله ضرورةٌ في مجتمعنا وفي حالنا هذا.. أرأيت؟.. أهذا أمرٌ صعبٌ عليك؟!!


ثم إننا نعدكم لعد ذلك بتكوين جمعياتٍ خيريةٍ في كل مدينةٍ، يكون دورها أن ترعى أبناءكم، ولا تخشوا على جيوبكم منها، فلن تمد يدها إليكم لطلب المال.. بل فقط ستطلب منكم أن تساعدوا أنفسَكم بأن تتعاونوا معها وتدعموها على الأقل بحضوركم ومشاركتكم، واتركوا الباقي عليها، فهي ستقدم لأبنائكم ما يعيدهم إلى عرين دينهم الذي لم يكونوا يفهموه بسبب تقصيركم أنتم.. ثم ستعلمهم اللغة العربية، ولن نضربهم لتعلم وحفظ القرآن، بل سنوضح لهم كم هو راقٍ ومهم، قبل أن نطلب منهم حفظ آياتٍ منه..


وسنقدم لهم دروس تقويةٍ في موادهم الدراسية التي يجدون فيها ضعفاً، فالمؤمن لا ينبغي أن يكون ضعيفاً، كما قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)


ولكي يدركوا أننا لسنا برجعيين ولا متخلفين، سنقدم لهم ما يحبون من ألعابٍ إلكترونيةٍ مخصصة لتعلم برمجة الكمبيوتر والإنسان الآلي، نعم عبر مجرد لعبة، كي لا نثقل عليهم.. وحينها سيتفاخرون بين أقرانهم في المدارس الحكومية بمستواهم التقني الرائع.


وقد أعددناً خططاً أخرى للنشاط مع الأطفال والشباب، من متخصصين مستعدين لعمل ورش عملٍ وأنشطةٍ للشباب، يتحاورون فيها معهم، ويستمعون إليهم، ويردون على ما يخالط أذهانهم من شبهاتٍ ويقلقهم من مشاكل.


وبالتوازي نؤكد أننا نعمل مع المدينة على عدة محاور، كي نفيد جاليتنا الإسلامية بشكلٍ عامٍ، ونحل الإشكاليات الحالية بينها وبين باقي مكونات المجتمع الذي لا يزال يرانا عبئاً عليه ولا يدرك فائدتنا الكبيرة له.. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، على رأسها الإعلام السلبي تجاه المسلمين أولاً، وتصرفاتنا السلبية نحن ثانياً.


إننا نعد لكم ما تحتاجونه أنتم وأبناؤكم، ولا نطلب منكم سوى التجاوب والتفاعل، فهذا والله أضعف أنواع الجهاد من أجل أبنائكم.