تخطي للذهاب إلى المحتوى

خطب الجمعة

09.01.2026 رقائق العز


عباد الله..في خِضم المآسي تشتاق النفوس إلى زمان العزة، وتتوق إلى تنفس عبيرٍ بلا عبراتٍ.. ولعلي في هذا المقام لا أخطئ إن استحضرت معكم سيرة سلطان العلماء، العز بن عبد السلام، ذلك المغربي أبوه، والذي ولد وعاش في الشام حتى قارب الستين من عمره، ثم انتقل ومات عن ثمانين عامًا في مصر.. وكأنه يعبر بحياته هذه عن مختلف مشاربنا العربية التي نعيشها حاليًا، فقد جمع بين الشرق والغرب ومات في المنتصف.. أما زمانه فلم تختلف الفتن فيه كثيرًا عن زماننا، ولتأكيد ذلك ألخص لكم فصلاً من حياته بالشام، حيث اشتهر وذاع صيته، فلم يأبه بمنصبٍ ولا سمعةٍ، وأعلن اعتراضه على الحاكم الملقب زورًا بالصالح إسماعيل، وهو أحد أحفاد صلاح الدين الأيوبي، وكأن إسماعيل هذا هو توأم رئيس دولةٍ خليجيةٍ معاصرةٍ تشتمونه جميعًا كل يومٍ، إذ أراد هذا الصالح -أو بالأحرى الطالح- التحالف مع الصليبيين ليتقوى بهم على ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب حاكم مصر.. فظل يمالئهم ويخطب ودهم بكل أصناف البيع الرخيص كما نرى اليوم أيضًا من حاكم تلك الدولة الخليجية.. وها هو يعد الصليبيين بمنحهم القدس، ليردها لهم بعد أن حررها جده، بل ويزيدهم فوقها قلعة صفد المسيطرة على طريق التجارة، كل هذا مقابل أن يتعاونوا معه في مهاجمة ابن أخيه حاكم مصر، فيا لها من خسةٍ ونذالةٍ..!ألا ترونه مشهدًا ومسلسلاً يكرر نفسه عبر الأزمان؟وكعالمٍ مخلصٍ شجاعٍ أعلن العز بن عبد السلام اعتراضه على ذلك بشدةٍ، وأفتى بعزل الطالح إسماعيل والتحريض ضده، لأنه باع مصلحة الأمة ووحدة أراضيها.وكما تتوقعون من كل حاكمٍ خائنٍ، فقد رأي ذلك الملك أن فتوى الإمام تهيج الشعب والجيش ضده، فأمر باعتقاله على الفور وسجنه بقلعةٍ بدمشق.ومما يروى أنه أمعن في مجاملة الصليبيين، فأمر بنقل مقر سجن الإمام إلى مقرٍ اعتاد الحاكم مقابلتهم فيه، فكان إذا جاء الليل سمعوا إمامنا يتلو القرآن بصوته الندي، فسألوا الخائن إسماعيل عنه، فأخبرهم أنه اعترض على منحه القدس لهم، وطالب بعزله كحاكم، فعزله هو وسجنه، وأحضره بجوارهم كي ينكل به.. فتخيلوا ماذا كان ردهم؟لقد نقل المؤرخون عنهم أنهم قالوا: لو أن عندنا راهبٌ بمثل جرأة هذا وشجاعته، لشربنا الماء الذي يغسل به رجليه..!!وهكذا يخسر الخائن الدين والدنيا معًا، وهو الذي ظن نفسه ذكيًا، وأن ذكاءه سيقوده للعزة في الدنيا، وإن خالف الدين وخالف أوامر خالقه.وتمر الأيام يا إخوة، ويتعاظم صوت الشعب المنزعج جدًا لسجن الإمام، فيحاول الخائب أن يحفظ ماء وجهه، ويرسل له وزيره ليخبره بأن الملك سيعفو عنه وسيعيده إلى منصبه، فقط إن اعتذر له وقبله يده.فيأتي الرد الصاعق من العز بن عبد السلام، رمز العزة بحق، ويقول له:يا هذا، أنا لا أقبل أن يقبل هذا الحاكم يدي، فكيف تطلب مني أن أقبل يده؟!!فقرر الحاكم نفيه للتخلص منه دون أن يثور الشعب، وذهب الإمام إلى مصر، ليكون له فيها عظيم الأثر، إذ أحسن استقبالَه حاكمُها الصالح بحق نجم الدين أيوب، فولاه القضاء وأكرم وفادته.ولأن إمامنا لا يعرف المجاملة في دين الله، فقد اصطدم بحاكم مصر أيضًا، وذلك حين أفتى بأن نائب الحاكم وأمراء الجيش من المماليك لا تجوز إمارتهم لأنهم عبيد، ولابد أن يتم بيعهم وإعادة ثمنهم لبيت مال المسلمين، ثم عتقهم.. فثار الأمراء وهاجوا وماجوا، والإمام راسخٌ في فتواه لم يتزحزح عنها، حتى رضخ الحاكم أخيرًا لشرع ربه، فأمر بإنفاذ فتوى الإمام، لكن الإمام أصر أن يقوم هو بنفسه على بيع الأمراء، كي لا يشوب التنفيذ ثمة مجاملات ولا يكون بيعًا صوريًا.. وبالفعل يا إخوة كان العز بن عبد السلام يبيع الواحد منهم في السوق بالمزاد العلني، فإذا ما وصل الثمن لأعلى مستوىً، ولا يستطيع أحدٌ من الشعب دفع المزيد، جاء الحاكم ليدفع من ماله الخاص أعلى من الثمن المعروض، ليشتريه ويعتقه ويدفع ثمنه إلى بيت مال المسلمين.وهكذا علِم الناس أن الحاكم يرضخ للحق ولأوامر ربه ونواهيه، وشتان بين الحاكمين.وكان من هؤلاء المماليك الذين باعهم إمامنا العز، قائد الجيش، ذلك المملوك الذي كان من سخرية القدر أن المغول كانوا قد غزوا المملكة الخوارزمية (إيران سابقًا)، وقتلوا أفراد الأسرة الحاكمة، ولم يقتلوا طفلاً صغيرًا بينهم وآثروا بيعه، وكان هو محمود بن ممدود الذي سمي لاحقًا بسيف الدين قطز، فظل يتنقل وبيع بعدما كبر للصالح نجم الدين أيوب حاكم مصر، الذي اتخذه قائدًا للجيش لاحقًا، ورسخ له العز بن عبد السلام القيادة بفتوى البيع والعتق التي ذكرتها لكم.ثم تمر الأيام لتكون نهاية المغول على يد قطز، هذا الطفل الذي قتلوا أهله أمامه في مملكة خوارزم.. وكأن هذه القصة أيضًا تتكرر بحذافيرها هي الأخرى عبر الأزمان، فيكون الطفل المعذب فيها هو سبب هلاك معذبيه عندما يكبر.. أليست هذه دروسٌ لمن يفهم ويتعظ؟!ويصدق قول الحق سبحانه في سورة الحج: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)...نعم، لقد مرت الأيام وتولى قطز الحكم في مصر، وأرسل المغول له برسالة تهديدٍ مرعبةٍ بحق، فما كان منه إلا أن قتل رسل المغول الأربعة، لأنهم فعلوا الأفاعيل في المسلمين ولم يلتزموا بأية قواعد للحروب.. وكان هذا بمثابة إعلان حربٍ صريحٍ ضد من أرعبوا ربوع المسلمين، وأخذ قطز يجهز الجيش، رغم أن مصر حينها كانت تعاني أزمةً ماليةً طاحنةً، فأمر بفرض الضرائب على الشعب لتجهيز الجيش ضد العدو الغاشم، لكن العز بن عبد السلام يقف ضده مرةً أخرى، ويطالبه بأن يبيع كل ما لديه وأهله من ثرواتٍ، وكذلك يجب أن يفعل جميع القادة في الدولة، وبعدها يمكن أن يطالب الحاكم الشعبَ بالضرائب الجديدة، ففعل، وتفاعل الشعب معه بإيجابية، لِما رأوا من العدل بعد فتوى الإمام العز، رائد العزة..وكان من جرأة قطز أن قرر الخروج بالجيش إلى فلسطين، ولن ينتظر المغول في مصر، فهو يريد حماية من يستطيع من المسلمين، لا أن يمهلهم للقضاء على فلسطين في الطريق إلى مصر.. هكذا يكون الضمير الحَيِي والعقل الحي.والنتيجة كما تعلمون كانت نصرًا مؤزرًا للمسلمين المجاهدين رغم كل الظروف المالية الصعبة.. أما المتخاذلون قبل ذلك من المسلمين، فمصير خليفتهم كان القتل بالأرجل، وليس بأرجُل الرجال، بل بأقدام الخيل.. إذ تكاسل خليفة المسلمين في بغداد (المستعصم بالله، اسمًا لا عملاً) عن الاستعداد الجيد لمواجهة المغول، فحاصروه حتى قرر الاستسلام وخرج لهولاكو مع علية القوم، فقتلهم جميعًا، ونكل بالمستعصم فلم يقتله بالسيف، بل أمر بأن يلفوه بسجادة، ثم تضربه الخيول بأقدامها حتى يموت ذليلاً.إخوتي في الله..ما أردت أن أحول الخطبة إلى درسٍ في التاريخ، لكنه درسٌ حقيقيٌ في الحياة، ترون فيه نتيجة التكاسل في ذلك المستعصم، ونتيجة الخيانة في الصالح أو الطالح إسماعيل، في مقابل الجرأة في الحق رغم المصاعب لدى قطز..وما ذكرت لكم بعضًا من رقائق العز بن عبد السلام، إلا لأوضح لكم كيف يكون العالم بابًا لعزة الإسلام والمسلمين، مهما سجنوه ومهما أغروه في المقابل، لكن الحق أحق أن يتبع، والعزة تكون لله ومن الله.. ومن ابتغى العزة في غير ذلك.. ضل وزل وذل..فلا عزاء لعالمٍ آثر سلامته الشخصية على حساب سلامة الأمة، فلم ينصح لها وآثر الصمم والبكم.ووالله إني لأحترم شابًا صغيرًا يصدح بالحق الأبلج، ولو حتى على اليوتيوب، ولا أقيم وزنًا لعالمٍ كبيرٍ يحمل من ألقاب الدكتوراه والأوسمة ما يحمل، لكنه عند الحق يكون لجلجًا جبانًا.. وما أكثرهم في زماننا للأسف.العزة يا إخوة لا تحتاج إلى ظروفٍ جميلةٍ مهيأةٍ كما يظن البعض، بل تحتاج إلى رجالٍ، ولو كان على خالدٍ بن الوليد أن ينتظر الظروف المواتية، لما انتصر في أي معركةٍ قط، لأن الظروف الدنيوية كانت دائمًا ضده، عددًا وعدةً، لكنه كان في معية الخالق، يعلم أن عليه أن يبذل كامل قدراته الذهنية والعملية، ثم يأتي الباقي من عند الله، ولابد أن نفهم أن الرفعة لا يكون طريقها ورديٌ في البداية أبدًا، لكن الذل هو الذي يبدو طريقه ورديٌ في البداية، وسوادٌ قاتمٌ مُذلٌ في النهاية.أسأل الله عز وجل أن يُصلح نياتِنا، وأن يحفظنا جميعًا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد.. تحدثنا في الخطبة الأولى عن أحد الأمثلة المضيئة لوقوف العلماء إلى جانب الأمة وحرصهم على مصلحتها وليس مصلحتهم رغم الظروف القاسية جدًا، ورأينا كيف يشبه اليوم البارحة، سيناريوهات تعيد وتكرر نفسا قديمًا وحديثًا، والأغبياء لا يعتبرون، ويظنون أنفسهم أذكى من خالقهم.وفي خطبتنا الثانية نأخذ نفس مثال الخطبة الأولى، لكن من الجانب الإنساني وليس السياسي، مع التذكير أن من يريد أن يمحوَ السياسة من حياتنا، فهو كالذي يغمض عينيه ويدعي العدم، وأنه لن يهتم ساسةٌ بمسلمين لا يهتمون بالسياسة.نعود فنقول بأن الإمام العز بن عبد السلام لم يكن فقيهًا فقط في أحكام الطهارة والصلاة، بل في أحكام السياسة وضد الخيانة وهضم حقوق الشعب، وما اشتهر إلا بذلك.. لكنه في الوقت نفسه كان ممن أسسوا لأنواع جديدةٍ من القوانين، استنبطها من الكتاب والسنة، وفصل فيها ورسخ قواعدها في كتابه القواعد الكبرى أو ما اسمه الكامل (قواعد الأحكام في مصالح الأنام).وقد تناول فيه ما نحن في أمس الحاجة له اليوم من موضوعاتٍ تحتاج إلى إعادة ترتيبٍ، مثل العدالة الاجتماعية وكيفية تحقيقها تأسيسًا على القواعد الإسلامية.. كما تناول العبادات من حيث أن العبادة الخالية من الإخلاص لا تجلب مصلحة الآخرة، وإن كانت قد تسقط الفرض الدنيوي.. فبحث في الصلاة والصوم والحج في المقاصد الكامنة وراءها، من جوانب غير فقهيةٍ، مثل: (تطهير النفس، تزكية الروح، تحقيق الوحدة)، فما أحوجنا إلى كتابك هذا في عصرنا هذا يا إمام العز..ثم انظروا إلى حقوق الحيوان في كتابه، فها هو يقر ويفصل ما لم يفصل فيه غيره، ويستعين بالقواعد الإسلامية لإرساء تفاصيل لم تتناولها حتى قوانين الرفق بالحيوان المعاصرة..وبما أننا قد اعتدنا ضرب الأمثلة وتجنب الكلام النظري، فإليكم البيان العملي كما يقولون:روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع أن والي مصر كان يرى أن الجمال القوية تستطيع أن تحمل ألف رطل من الأثقال، فأرسل إليه ألا يتم السماح بأكثر من ستمائة رطل، أي لا يحمل الجمل الواحد أكثر من 270 كيلو جرامًا بدلاً من 450 كما كان يفعل أهل مصر.وكان ذلك الباب أحد ما فصل فيه العز، رفقًا بالحيوانات.. بل إنه وصل حتى تناول مسائل محيرةً مثل: ماذا يفعل المسلم لو كان لديه اثنان من الحيوانات، أحدهما يؤكل لحمه والآخر لا، وليس لديه مالٌ يكفي الاثنين، فإما أن يربي ويطعم ما يؤكل لحمه ويزهق روح الآخر، أو العكس.. فماذا يفعل؟ وهنا أفتى الإمام أنه في هذه الحال يتم ذبح الحيوان الذي يؤكل لحمه، ويستبقى الآخر، فله حقٌ في الحياة ولا يجوز قتله، والآخر من طبيعته أن يذبح فيؤكل.. نسيت أن أخبركم أنه منع ذبح الحيوان أمام أقرانه، وهو ما لا تراعيه المذابح حتى يومنا هذا.سبحانك ربي.. ما كل هذه التفاصيل الرائعة؟! وأي قوانين حالية تتحدث فيها؟قارنوا هذا بأول قانون للحيوانات صدر في ألمانيا، وكان ذلك في عام 1933 أيام حكم النازية، والذي رغم أنه كان يُعتبر متقدماً وقتها، إلا أن المؤرخين يشيرون إلى تناقضاتٍ أيديولوجيةٍ صارخةٍ في تلك الفترة، حيث تم فرض هتلر قواعد صارمة على ذبح الحيوانات في الوقت الذي كان يمارس فيه أبشع الطرق مع البشر، فأباد منهم عشرات الملايين بكل وحشيةٍ ممكنةٍ.. إنه الجنون الرسمي.إخوتي الكرام..لمثل هؤلاء العلماء نحتاج اليوم.. لسنا بحاجةٍ إلى تفصيلٍ في أحكام الوضوء والصلاة، فلدينا فيها موسوعاتٌ كبيرةٌ.بل نحتاج إلى من يحيي فينا النهج الإسلامي الحق في حل مشاكلنا المعاصرة على أسسٍ الإسلام الراسخة الجميلة هذه.. نحتاج إلى الحديث عن واقعنا المعاصر وما به من معضلاتٍ وكيف نتصرف ونفعل حيالها.. ولكم هنا دورٌ، نعم لكم دورٌ هامٌ وفاعلٌ وأن كنتم لستم بفقهاء، وسأضرب لكم مثالاً من مدينتكم هذه:في الوقت الذي كانت داعش تقتل فيه المسلمين وتكفرهم، بل وتسبي نساء المسلمين على اعتبار أنهن غير مسلماتٍ، كان أحد الفقهاء الذين يتعامون عن النظر إلى واقعنا المعاصر المحاصر، كان يتبحر في كون روث الفأر طاهرًا أم نجسًا؟!! أي صفاقةٍ هذه..!! ليس هكذا يكون العلماء وليس هكذا يكون الرجال، وإن لبسوا العباءات وظهروا بمظهر المشايخ والعلماء..!!وفي ديسمبر من إحدى السنوات صليت في أكبر مسجدٍ بمدينتكم هذه، فرأيت الخطيب يمسك كتابًا من كتب الوهابية، ويقرأ إحدى الخطب منه، وكان مما قال أنه دعا على القوم هنا وقال حرفيًا: قاتلهم الله..!! وبعد الخطبة قال لي ابني: إن لم تعجبه البلاد هنا، فلمَ يعيش فيها؟!وتعجبت أنا كذلك مما قال، وقلت في نفسي:يا أخي إن لم تحسن فهم حسن الجوار وحسن النصح، فلا أقل من أن تسكت، كتابك الذي بيدك يناسب من كان يمولك ويدفع لك حينها، لكنه أبدًا لا يناسب المجتمع الذي تخطب فيه أبدًا.. لدينا مشاكل وعليك حلها كخطيبٍ..ولكي لا أكتفي بالحديث مع نفسي وفقط، ولأني كنت أجد لي دورًا كمصلٍ لديه بعض الإدراك، فقد ذهبت إلى الخطيب بعد انتهاء الجمعة، وأردت الحديث معه بكل احترامٍ، فما كان منه إلا أن رفض الحديث تمامًا، لأنه كما رأيتم كان ناقلاً من الكتاب لا أكثر..لكن المشكلة مشكلتكم أنتم، نعم، أنتم لكم دورٌ أساسيٌ في المطالبة بعلماء يفيدونكم في خطب الجمعة، لا أن تخرجوا من المسجد كما دخلتم، بلا أي فهمٍ ولا ثم استزادةٍ.. عليكم أن تخاطبوا مجالس إدارات الجمعيات الإسلامية لتحقيق هذا المطلب، وإلا فلا خير فيهم ولا فيكم..لا أعفيكم من المسؤولية أبدًا، فالتقصير من الخطباء لم يكن إلا لأنكم تسكتون، وتكتفون بأداء الفريضة التي قد تسقط عنكم، لكن ستبقون في المؤخرة إن رضيتم بذلك.. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد..أحدكم قال لي مرةً يحدثني عن خطيبٍ في أحد مساجد دوسلدورف، وقال متباهيًا بأن الإمام فعلاً يروق له، فسألته باهتمامٍ: عن أي موضوعٍ تحدث الرجل؟فقال: لا أعلم، لكنه يا أخي كان يخفض ويرفع الصوت بشكلٍ جميلٍ، يجعلني أنتشي وأشعر أني في بلادي..!! أهكذا وبلا أي فهمٍ أو استفادةٍ يا أخي؟!!أهكذا نقبل بأن يكون الخطيب؟!.. مجرد أداةٍ للاستمتاع والانتعاش، دون أن يخاطب احتياجاتنا في هذه البلاد؟إياكم أن تنسوا دوركم يا إخوة، فأنتم لستم مجرد مستمعين، بل مشاركون بالمعنى الحرفي للكلمة.وأحسب أني أديتُ دوري معكم كخطيبٍ للضرورة، ويأتيكم الجمعة القادمة إن شاء الله إمامكم الراتب الجديد، ونسأل المولى له التوفيق... ..وختامًا، أذكركم بالمسجد، فأرجوكم أن تفتحوا آذانكم وأعينكم، فقد كتبنا لكم في كل مكانٍ على الجدران: مسجدك مسئوليتك..الفواتير تأتينا ولا نستطيع حقًا دفعها، ثم يأتينا الإنذار تلو الآخر..نرجوكم أن تتحملوا مسئوليتكم، وأن تستشعروا المعنى الحقيقي في قلوبكم، بأنه حقًا كما يقول نبيكم ﷺ لكم: (ما نقص مالٌ من صدقة).أتصور لو كان المسؤولون الذين يصدرون هذه الفواتير يعلمون اسم كل واحدٍ منكم، لكانوا أصدروها بأسمائكم وأرسلوها على عناوين بيوتكم، لأنها مسؤوليةٌ تشاركيةٌ، وليست مسؤولية الإدارة وحدها.ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.... ..ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا: 

 02.01.2026 المرأة بين الإسلام والغرب


عباد الله..

في الإعداد لهذه الخطبة طلبت من برامج الذكاء الصناعي مقارنةً بين حقوق المرأة في الإسلام وبين حقوقها في اليهودية والمسيحية والغرب قديمًا وحديثًا.

ولا أخفي عليكم أنني أستخدمه كمحرك بحثي يلخص لي النتائج، ولا آخذ منه أي نتاجٍ فكريٍ، لأنه كثيرًا ما يعطي نتائج خاطئة، وأحيانًا أخرى مضحكة، وأذكر أنه أفتى للبعض بجواز الإفطار في رمضان إذا ما تصادف وجاء مع الحج..!!

وقد اخترت موضوع حقوق المرأة اليوم، ليس مجاملةً لها، ولا تماشيًا مع الموضة الفكرية المعاصرة.. بل لأوضح الكذب الفاضح في هذا الشأن، وأرجو أن تنقلوا أنتم مضمون هذه الخطبة إلى أبنائكم وبناتكم، ليفخروا بها أمام هذا المجتمع، الذي ظلم المرأة قديمًا وحديثًا ويدعي العكس تمامًا، يدعون أن المرأة في الإسلام مظلومة ومهضومة الحقوق، وأنهم هم من حرروها.. فهلمّوا نكتشف معًا الحقيقة، ولنقارن بإنصافٍ تامٍ وبدون أدنى تحيزٍ أو مجاملاتٍ.

المرأة في التوراة والإنجيل في الأصل هي سبب بلاء الإنسانية، فهي التي أغرت آدم بالأكل من الشجرة وليس إبليس، هي سبب نزول البشر من الجنة إلى الأرض، لذلك فإن الله قد عاقبها بأن تكون هي المكلفة بالحمل وهي من تتحمل آلامه.

أما عقيدة الإسلام فقد حملت الخطيئة للطرفين، ونظرت إلى حكمة خلق المرأة من ضلع آدم، أنها جزءٌ منه، فالنساء (شقائق الرجال) كما في الحديث الصحيح.. وليس الحمل ولا ألم الولادة عقوبةً لها أبدًا، بل سببًا لتكريمها، حتى أنه لو نادتك أمك وأنت تصلي لله تعالى، فعليك أن تقطع صلاة السنة لأجلها، ولو كنتَ ذاهبًا للحج وطلبتك رافضةً حجك وأنت على سلم الطائرة، فعليك أن تبرها وتنزل من طائرتك لأجلها.

ويختصر مجمل مكانة المرأة في الإسلام ما أورده الحديث الصحيح الذي رواه النسائي، أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال:

يا رسول الله، أردتُ الغزو، وجئتُ أستشيرك

قال: «هل لك من أم؟»

قال: نعم

قال: «فالزمها، فإن الجنة عند رجليها»


هذا مجرد فرقٌ إطاريٍ يوضح لكم مكانة المرأة في الأديان الثلاثة بدايةً، لكن هذا الفرق يكبر بشدةٍ في التفاصيل، فإليكم بعضها للتوضيح، ولا أريد هنا أن أقنعكم، بل أريدكم أن تفهموا جيدًا ما يلي، وتوصلوه لأبنائكم، لأنهم يسمعون ويتعلمون العكس تمامًا، وأنتم مسئولون عن ذلك.. فإلى بعض التفاصيل:

يتشدق الإعلام كثيرًا في الغرب بأن المرأة المسلمة ترث نصف ما يرث الرجل، وللأسف يوافقهم في ذلك أغلب المسلمين على هذه الكذبة. والحق هنا هو أن حالات الميراث 34 حالة، في أغلبها ترث المرأة أكثر من الرجل أو تحجبه أصلاً عن الميراث، وفي أربع حالاتٍ فقط ترث أقل منه.

أما في اليهودية فالمرأة لا ترث أصلاً إذا وُجد الذكر، بل حتى لو كان ميتًا.. وإليكم هذا المثال الصارخ: تخيلوا معي أبًا قد مات، وكان له ابن وابنة، والابن كان قد مات قبل أن يموت أبوه، وهذا الابن له بنت، أي حفيدةٌ للميت (أبي الابن الميت)، فما الحكم في اليهودية؟ بنت الابن (أي الحفيدة) ترث، أما الابنة المباشرة للرجل الميت لا ترث، لماذا؟ لأن وجود ابن وابنة يجعل الميراث للابن فقط، ولو كان ميتًا، وهنا تتحول التركة بالكامل له (رغم موته) وترثه ابنته، أما أخته والتي هي الابنة المباشرة للميت المورث فلا ترث، لأنها أنثى، ولا نصيب للأنثى في وجود الذكر، ولو كان ميتًا..!!

أما المسيحية، فليس لها شرائع في الميراث، وإنما اكتفت الكنيسة بتطبيق أوامر الامبراطور وفقًا للمعاهدة التي وقعتها معه في عام 325 ميلادية، حين وافقت على العديد من الوثنيات وربطتها بالمسيحية إرضاءً له، ومنها احتفال ميلاد المسيح نفسه، الذي كان احتفالاً لإله الشمس يوم 25 ديسمبر وحولوه لميلاد عيسى عليه السلام، رغم أن المسيح قد ولد صيفًا وليس شتاءً.

وبشكلٍ عامٍ فإن الكنيسة كانت تنظر إلى المرأة على أنها (رجلٌ ناقصٌ أو كائنٌ غير مكتمل).. وهذا كان بالأصل رأي فيلسوف عصره أرسطو، فاستعارت رأيه الكنيسة واعتمدته و بَنَت عليه جميع آرائها حول المرأة وحقوقها.. كنيسةٌ تترك رسالة رسولها وشريعته، ثم تهادن الإمبراطور وتقبل وثنياته إرضاءً له، ولا تشرع للمرأة ميراثًا وتترك التحكم الكامل فيه وفق آراء الإمبراطور، بل حتى تقييم المرأة نفسه أخذته من الفلاسفة والمهرطقين.. فماذا قدمتِ للبشرية؟!

ثم انظروا إلى فلاسفة الغرب في العصر الحديث.. فهذا جان جاك روسو، يرى أن وظيفة المرأة الأساسية هي إرضاء الرجل وتربية الأبناء، ويرفض إدماج المرأة في الحياة العامة والفكرية.

وهذا داروين صاحب نظرية تحول الكائنات وتطورها، يصر على أن الرجل كائن متطور، أما المرأة فقد تخلفت عن التطور الطبيعي كمخلوق، وظلت غير مكتملة.. لذا فقد رأى أن تعليمها لن يفيد البشرية، وكان رأي داروين هذا سببًا في تأخر المرأة في الغرب فترةً طويلةً.

أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche)الذي مات عام 1900 فقد رأى أن المرأة كالفخ، بل إنه نصح في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" بالقول: "ذاهب إلى النساء؟ لا تنسَ السوط!"، معتبراً أن المرأة تهديدٌ للبحث الفلسفي عن الحقيقة والعبقرية، التي رأى أنها للرجل حصرًا، وأطلق على الرجل لقب Übermensch ليبتعد به بعيدًا عن المرأة..!!

وهذا شوبنهاور يرى أن المرأة مجرد "أداة بيولوجية" لخدمة التكاثر..!!

وحتى (إيمانويل كانت) الذي يعتبرونه الفيلسوف الألماني الذي دافع عن المرأة، كان يعتبرها رمزاً للجمال والعاطفة، بينما الرجل هو رمز العقل والسياسة، وعارض بشدة منحها أية حقوقٍ سياسيةٍ أو مهنيةٍ..

تريدون المزيد؟

سأحدثكم عن المزيد من عصرنا الحديث، لكن قبل ذلك سأذكركم بمواقف رسولكم ﷺ من المرأة قبل أكثر من 14 قرنًا من الزمان..

هل تذكرون موقف أم سلمة زوجة الرسول ﷺ في صلح الحديبية (6 هـ)؟

بعد أن وقع النبي الصلح، أمر الصحابة أن:

ينحروا الهَدي، ويحلقوا رؤوسهم، فتردد الصحابة من شدة الصدمة، لأنهم كانوا يريدون الحج، وهذا سبب خروجهم مسلحين من المدينة إلى مكة أصلاً.

فدخل ﷺ على أم سلمة شاكيًا، فقالت:

اخرج يا رسول الله، ولا تكلم أحدًا، ثم انحر هديك واحلق، فإنهم سيفعلون.

فماذا كانت النتيجة؟

لما رأى الصحابة فعله، قاموا جميعًا ونفذوا الأمر، وبذلك أنقذت أم سلمة موقفًا سياسيًا وعسكريًا بالغ الحساسية في تاريخ الإسلام..

كان من السهل ومن المتوقع أن يهبط جبريل بالحل إلى نبيكم ﷺ، لكن الله لم يُرِد ذلك، وأجرى الحكمة على لسان أم سلمة، لماذا؟.. كي يعلمنا أن المرأة شريكةٌ كاملةٌ للرجال في الرأي والسياسة.

ثم ألا تحفظون الآية في سورة الممتحَنة التي تقر حق المرأة في المبايعة عام الفتح (8 هجرية)، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾

وهذه امرأة توقف عمر بن الخطاب أثناء خطبته الجمعة، وتعترض عليه، ويقر بأنها على صواب، ويعتذر عن خطئه.. عمر رضي الله عنه يقول ذلك، وهو الذي قال: كنا لا نَعُد النساء شيئًا..!! فهداه الإسلام إلى احترام رأي النساء، وتعلم من الوحي الكثير، ليصلح نظرته إلى المرأة كليًا.

.. ..

أين كل هذا من المرأة في الغرب الذي رأت رجالاته ورواد فكره أنها مجرد "أداة بيولوجية" لخدمة التكاثر، أو (رجلٌ ناقصٌ أو كائنٌ غير مكتمل).. وينصحونك إذا كنت "ذاهبًا إلى النساء؟ فلا تنسَ السوط!"

ثم يقولون بأن الإسلام دينٌ ذكوريٌ..!! رغم أنه من البداية، منذ قصة الخطيئة ونزول آدم وحواء من الجنة، يخالف نظريتهم تمامًا ويساوي المرأة بالرجل فيها، ويكرمها ويأمرنا بإكرامها بما لم يأمر به دينٌ أبدًا.. الأمر يا إخوة يبدو لي تمامًا كمن يمارس كل أنواع الإرهاب معك، ثم يتهمك بأنك أنت الإرهابي..!

وعدتكم بالمزيد، ويجب عليَّ الوفاء..

عادةً وعندما ألقي محاضرة للبنات أو النساء، أميل إلى الحديث حول موضوعنا هذا، وكثيرًا ما أسألهن:

هل تعرفن متى يكون اليوم العالمي للمرأة؟ وما سببه؟

وغالبًا لا يعرفن الإجابة، لأن إخفاءها مقصودٌ من الإعلام.. ثم أجيب بأن المحطة المفصلية لهذا اليوم كانت عام (1908)، حيث حدث إضرابٌ واسعٌ لعاملات النسيج في نيويورك، طالبن حينها بـتقليل ساعات العمل، تحسين الأجور وحق التصويت في الانتخابات، أو بمعنىً آخر طالبن بالمساواة مع الرجال في العمل.

وفي 8 مارس عام1917 خرجت نساء روسيا في إضرابات كبيرة أدت إلى:

تسريع سقوط الحكم القيصري ومنح النساء حق التصويت لاحقًا.

وأخيرًا اعترفت الأمم المتحدة رسميًا في 8 مارس عام 1977 باعتباره يومًا عالميًا لحقوق المرأة..!

نعم، ما سمعتم صحيحٌ.. لم يكن للمرأة حق التصويت أصلاً.. وأولى الدول في الديموقراطية وإعطاء المرأة حق التصويت كانت نيوزيلندا في نهايات القرن التاسع عشر، وفرنسا عام 1944، و سويسرا عام 1971.. ثم يتهمونكم بالتخلف والرجعية، وتاريخنا سبقهم بأربعة عشر قرنًا كاملةً..!!

ويصدق هنا قول القائل: رمتني بدائها وانسَلَّت..!

إخوتي في الله.. إننا لا ننكر التقدم الذي أحرزته المرأة الغربية في العصر الحديث، وإن كنا لا نوافقه في بعض ملامحه، لأن به ظلمٌ مخادعٌ للمرأة.

لكننا نؤكد أن هذا التقدم كان نتيجة نضالٍ طويل ضد فلسفات وعادات المجتمع الغربي نفسه، في حين أن الإسلام قد قدم هذه الحقوق منذ البداية، وعليهم ألا ينكروا ذلك، لأن الناس أصبحت تبحث عن الحقيقة ولن يستطيع الإعلام الاستمرار طويلاً في الكذب والادعاء الظالم.

علينا أن نعتز بشريعتنا وأن نُظهر للعالم العدل الكامل الذي جاء به ديننا في معاملة المرأة، دون تقصير أو غلو، وأن نطبق هذه المبادئ في بيوتنا ومجتمعاتنا.

انشروا ذلك بين أبنائكم، علموهم دينهم الحق.. فمن يعلمهم ذلك إن أنتم بخلتم عليهم به؟

هل تنتظرون أن تعلمهم المدارس أو الإعلام ذلك؟

أسأل الله عز وجل أن يُصلح نياتِنا وذرياتِنا، وأن يحفظنا وإياهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد..

تحدثنا في الخطبة الأولى عن ملامح حقوق المرأة في الإسلام، وعن هضم الغرب لها قديمًا وحديثًا.

وفي خطبتنا الثانية أكمل سرد بعض الحقوق ثم أطرح سؤالاً بعد ذلك.

أخبرتكم أن المرأة في الغرب كانت مهانةً بشكلٍ كبيرٍ جدًا، ويعتقد الكثيرون أنها الآن تتمتع بحقوقٍ مثاليةٍ لا نظير لها.. ولتوضيح رأينا في ذلك سأستكمل بعض الملامح ثم يكون لكم الحكم.

عليكم يا إخوة أن تعلموا أن المرأة لم تكن محرومةً من حقوقها السياسية والفكرية فقط، بل إن لم يكن لديها حق التملك أو الشراء أصلاً، وقد نالت المرأة المتزوجة حق التملك والتصرف في بريطانيا مثلاً في أواخر القرن التاسع عشر (قانون ملكية المرأة المتزوجة 1882م)، وقبل ذلك لم يكن لها أن تبيع أو تشتري أو توقع أية عقود.

بل إنها في الولايات المتحدة -الرمز المفترض للتطور والحضارة- لم تنل حق التملك هذا إلا في اتفاقية نيويورك عام 1848، ومع ذلك رفضت جميع الولايات وحكامها تنفيذ هذه الاتفاقية، لأن الشعب يرفضها، واستغرق الأمر 52 عامًا حتى اقتنع حكام الولايات أخيرًا بتنفيذ هذه الاتفاقية، لتنال المرأة حق التملك الذي حرمت منه ونالته المرأة المسلمة قبلها بـ 1300 عامٍ..!

ليس هذا فقط، بل إن المرأة في أمريكا لم يكن لها الاستمتاع بكامل حقوقها المالية إلا بعد عام 1974.. وهنا أستحلفكم بالله أن تقارنوا ذلك بالمرأة المسلمة التي كانت تتاجر وتنافس الرجال بالتجارة منذ صدر الإسلام الأول.

هل تذكرون فاطمة الفهرية، سيدة الأعمال الشهيرة، التي بنت من مالها الخاص أول جامعةٍ عام 859 ميلادية؟

تلك التي اعترف بها العالم كأول جامعةٍ في العالم على الإطلاق وفقًا لموسوعة الأرقام القياسية، وتعلم فيها البابا سلفستر الثاني الفلك والرياضيات، وكان سببًا في إدخال الأرقام العربية لأوروبا..

هذا مثالٌ للمرأة المسلمة الحقيقية.. سبقت العالم أجمع، بل سبقت أولى جامعات ألمانيا بخمسة قرونٍ كاملةٍ.. في الوقت الذي حاربت فيه سويسرا مثلاً أول طبيبةٍ فيها لأنها كانت تنافس الرجال، وهكذا دواليك.. انظروا إلى البنت التي سألتها لماذا أسماك أبوك وأمك رفيدة، فقالت لأنها أول طبيبة في الإسلام.. هكذا يا إخوة نريد أبناءنا وبناتنا، واعين مثقفين.. دوركم كبيرٌ والله.

ولن نطيل الحديث بالكلام عن العبودية الحديثة للمرأة واستغلال جسدها في الدعاية والتجارة، وما إلى ذلك من سخافاتٍ يطلقون عليها تجاوزًا لقب (حرية).

الآن نتوقف عن الحديث عن الفروقات الصارخة بين حقوق المرأة في الإسلام وفي الغرب، لننتقل إلى السؤال التالي:

هل ما زال الغرب يعتقد حقًا أن المرأة المسلمة مهضومة الحقوق؟

وما الهدف حقًا من الزعم بذلك، رغم أن المرأة في الإسلام أعلى مكانةً من غيره بمراحل؟

الهدف قد يتضح حينما أسأل:

لماذا كان أهم ما يهم الغرب في سوريا بعد تحريرها من المجرم بشار وعصابته، هو حرية نزع الحجاب؟

لماذا لم يهتم الساسة هنا بفظائع بشار نفسها حين كان يقتل ويغتصب النساء هناك؟

لماذا لا تهتم أمريكا بحرق المسلمات في بورما أحياء؟ نعم، يحرقونهن أحياءً بسبب إسلامهن فقط.. أم أن نزع الحجاب هو المهم، أما نزع روح المرأة نفسها وحرقها حيةً فليس بمهم!!

الغريب أننا نجد بعض المخابيل بيننا ممن يطلقون على أنفسهم لقب (تنويريين)، يرددون نفس الادعاءات وبلا أدنى فهم..

الآن وقد علمنا وفهمنا، فما هو دورنا بشكلٍ عمليٍ؟

دورك يا أخي بكل بساطة هو ألا تجلس في مقاعد المتفرجين، لا تكتفِ فقط بالتنديد كما يفعل زعماء العرب الذين لا يجيدون غيره.. بل انشط وتحرك، انشر الوعي بين أبناء المسلمين وغير المسلمين، جميعهم بحاجة لفهم الحقيقة وأنت مدينٌ لهم بذلك.. إياك أن تقصر في واجبك هذا قط، فالمسئولية كبيرة، ولابد أن تكون على قدر المسئولية.

جميعهم سيسألونك أمام الله:

لِمَ لَم تخبرنا بحقيقة الإسلام؟ لمَ تركتنا فريسةً للكذابين في الإعلام والسياسة؟

ابنك وجارك يحتاجون للفهم، وإن لم تقم بدورك معهم، فمن يقوم به نيابةً عنك؟

هل يقوم به صحفي مأجور ضدك؟

أم سياسيٌ يتمحك في اليمين المتطرف لكسب أصواتهم على حسابك؟

لقد مللتُ يا إخوة والله من كثرة سماع مقولة بعضكم: (لا أحب التدخل في السياسة)..

وكأن قائلها لا يريد أن يستوعب بعد أنه انتقل إلى بلدٍ لن يأخذ حقه فيها إلا بالتفاعل مع الساسة، كي يدركوا أساسًا أنه موجودٌ وله حقوق.

وأكرر.. كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً، ليس تاريخيًا فحسب، بل حتى بين غير المسلمين، ألا ترون أن المثليين يأخذون الكثير وهم قلة؟ وما أوصلهم إلى ذلك إلا سعيهم.. لن يطبطب ويربت على ظهرك إلا يدك أنت.. لا تنتظر يدًا تفعل من أجلك، وأنت تقبع تحت بطانيتك في مقاعد المتفرجين غير المحسوبين في المجتمع.

كن كخالد، كن كعمر.. كن فاعلاً نشطًا، حينها سيقدرك العالم ويحسب لك حسابًا يليق بك.

لا تقبل بالدونية والقيمة الصفرية.. أنت تستحق الكثير.... إن أنت فعلت الكثير أيضًا.

.. ..

وختامًا، أذكركم بالمسجد وبأننا قد كتبنا لكم في كل مكانٍ على الجدران: مسجدك مسئوليتك..

تحملوا مسئوليتكم، واستشعروا المعنى الحقيقي في قلوبكم، بأنه حقًا كما يقول نبيكم ﷺ لكم: (ما نقص مالٌ من صدقة).

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا: 

 19.12.2025 بخع وطلاق


عباد الله..

حديثنا اليوم نابعٌ من رحم المعاناة الأسرية والشخصية على السواء.. فأغلبنا يكرر كل جمعةٍ قراءة سورة الكهف لتضيء له ما بين جُمعتيه، ومما نقرأ فيها تلك الآية التي يخاطب الله فيها نبيه ﷺ قائلاً: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بهذا الحديث أسفًا﴾..

فما معنى كلمة باخع؟

معناها ببساطةٍ: مهلِكٌ

واليوم نريد أن نتحدث عن الصور المختلفة والأسباب المؤدية لذلك.

وفي الصورة الأولى:

نجد في الآية هنا أن الله يخفف عن نبيه وينهاه أن يهْلِك نفسه غمًّا وحزنًا بسبب تولي قومِه وإعراضِهم عن القرآن والعمل به..

هل تأملتم هذا المشهد يا إخوة؟

نبيٌّ يُؤذى، ويُكذَّب، ويُحارَب، ويُرمى بالحجارة، ويُتَّهَم بالسحر والجنون…

ومع ذلك… يحزن عليهم، لا منهم! يخاف لهم، لا منهم!... أي رحمةٍ هذه؟ وأي قلبٍ هذا؟

لدرجة أن الله يخفف عنه ويأمره بألا يهلك نفسه بالحزن عليهم.

.. ..

وهنا لنا وقفاتٌ نستفيد بها في حياتنا اليومية أمام الأزمات التي نمر بها، فما نزل القرآن إلا لنتعلم منه، لا لنتسابق مع بعضنا في عدد الحروف المقروءة، ولا في جودة الأصوات المسموعة.

إن ربكم يعلم ما تواجهون في حياتكم، وثابتٌ تاريخيًا أنه حتى من الأنبياء من عارضه ابنه، مثل ابن نوحٍ الذي رفض دعوة أبيه قرابة ألف عامٍ، فهل يكون ذلك علامة فشل نوحٍ عليه السلام؟!

هل لنوحٍ أن يحزن وينعزل عن الناس بسبب ذلك؟

بالطبع لا، وإياك أخي أن تُهلك قلبك يأسًا وكمدًا، وإياك أن تحترق روحُك حزنًا بلا تسليمٍ لله.

تعلم من هذا القصص أن عليك أن تستكمل الطريق ولا تلتفت للحزن في غير محله، وكما تقول الآية: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾.. لكن في نفس الوقت، عليك أيضًا أن تجتهد في أداء واجبك تجاه الجميع، وفي مقدمتهم أبنائك.

أعلم أنني أُكثِر من الحديث حول الأبناء ومسئوليتنا تجاههم هنا، لكني لن أملَّ من ذلك، فهم بالفعل أهم واجباتنا هنا.. صحيحٌ أنه ليس علينا هداهم، لكن علينا تمهيد الهدى وأسبابِه لهم.

إن عليك أن تسأل نفسك كل يومٍ: ماذا فعلتُ لأبنائي وزوجتي؟

هل أعطيتُهم وقتي بشكلٍ مفيدٍ لهم؟ أم نازعت الزوجة، ونهرت الأولاد وهدمت حصن الأمان لهم جميعًا.

كثيرون يظنون أن تسليتهم وتضييعهم الوقت على الإنترنت والموبايل لن يضيعَ أبناءهم، و واهمٌ من ظن ذلك، فكل ساعةٍ تضيعها هي تقصيرٌ أساسيٌ في حق أسرتك، فإياك أن تستسهل الأمر وتستمرئه.

وهذه هي الصورة الأخرى من باخعون.. نهلك أنفسنا بإهلاكنا لأسرنا، عمدًا وبيدي أنا، لا بيد عمروٍ كما يقولون.

نحن لا نتحدث من فراغٍ يا إخوة، لكننا نتحدث بسبب كثرة المشاكل الأسرية التي نلمسها بشكلٍ عمليٍ شبه يوميٍ.. أغلب خلافات الطلاق التي تأتينا -إن لم يكن كلها- كان يمكن تجاوزه بكل سهولة، لكن الأمور كثيرًا ما تتعقد بلا أي سببٍ وجيهٍ، ولأسبابٍ تافهةٍ جدًا..!

بل إن المستمع لحديث زوجين يعلنان رغبتَهما الأكيدة بالانفصال، ليكاد يجزم أن الأسباب التي يذكرها كل طرفٍ هي أقرب إلى الطفولية، ليس طبعًا غباءً من الطرفين، لكن استسلامًا ساذجًا لشيطان هدم الأسر المسلمة.. ستجد الأسباب مثلاً من قبيل:

الطبخ، الولد فعل كذا في غير الموعد، أنتِ لم تقولي لي كذا، أو أنتَ تصفحتَ هاتفي.. كلها أسباب سطحية، وكأن الزوجين في هذه الحالة لا يهمهما أحد، وكأنهما مكلفان بهدم الأسرة بأي ثمنٍ..!!!

أحيانًا ينتابنا الشك ونتساءل إن كان أحدهما ممولاً خصيصًا من الخارج لهدم الأسرة، بلا أي سببٍ منطقيٍ، وكأن شيطان هدم الأسر قد أعطاه توكيلاً أو إغراءً ما، أو ربما.. أعماه..!!

تجد كلاً من الزوجين يحدثك عن فهمه العميق لمكانة الأبناء وأهميتهم في حياته، بل قد يقول لك أمثلةً سنيمائية من كثرة الدراما التي فيها وكيف يعامل أولاده، لكن واقع حاله يقول خلاف ذلك تمامًا، وكأنه يقول عمليًا:

أنا ومن بعدي الطوفان..! ولا شيء إلا أنا..!!

ولا أخفي عليكم أنني أنظر حينها للأبناء، وأنا أتحسر على غشاوةٍ كبيرةٍ على أعين آبائهم.. أنظر إليهم وأتساءل في نفسي:

هل سيعود آباؤكم إلى صوابهم لينقذوكم فعلاً؟ أم ستظهر الأنانية لديهم في أسخف صورها؟

هل سيبخعوكم؟ هل سيكسرون قلوبكم ويضحون بكم؟

أسأل الله عز وجل أن يُصلح نياتِنا وذرياتِنا، وأن يجعل أبناءنا قرة عين لنا، وأن يحفظهم من الفتن.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنما قوة السيف بضاربه.


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد..

تحدثنا في الخطبة الأولى عن بعض المعاناة الأسرية والشخصية في هذه البلاد.

وفي خطبتنا الثانية نتساءل: وماذا عليَّ أن أفعل حتى لا أكون من الباخعين، المهلِكين لأنفسنا وغيرنا ممن حولنا؟

أولاً: عليك بسنة التغافل.. سواءٌ مع ابنك الذي لن تتحمل ذنبه إذا أنت أديت واجبك التربوي معه ولم تكتفِ فقط بمأكله وملبسه.

ثم لا تنسَ قبل ذلك أن أهم من تطبق معه سنة التغافل هي زوجتك، فهي ليست أفضل من زوجات الصحابة وزوجات الرسول ﷺ، تنتابهن الغيرة وتتغير أمزجتهن بسبب الهرمونات المتغيرة على مدار الشهر، بالإضافة إلى أن المرأة ليست كالرجل في أغلب صفاتها وأحوالها، فلا تنتظر أن تكون هي كما تريد أنت بالضبط.

وأنتِ أيتها الزوجة، عليك بفهم حقيقة مكانة الرجل في الأسرة، فهو قائدها ولا ريب، هو رئيس البيت بفرمانٍ وقرارٍ إلهي، لا يمكن لأحد أن ينازعه القوامة المفروضة بنص القرآن.. فهي لم تأتِ من فراغٍ، ولا هي مجاملةٌ مثلاً للرجل على حساب المرأة، بل لأسبابٍ يعلمها خالق الخلق أجمعين، وإن كنتِ لا تعلمينها.

والحق يا أختي أن لدينا الكثير لنقوله لكِ، فأنتِ وإن لم تكن القيادة لك في الأسرة، إلا أن معظم النار من مستصغر الشرر كما يقولون.. وما كثرت حالات الطلاق مؤخرًا في الدول العربية إلا بعد أن تفتقت أذهان بعض النساء عن أفكارٍ مريضةٍ ظنتها المرأة نوعًا من العصرية والتقدم.

كنا في السابق نباهي أهل أوروبا بأن نسبة الطلاق عندنا ضعيفةٌ للغاية رغم أنه يتم بكلمة الطلاق فقط، فصرنا نسابقهم في الخيبة والضعف الأسري. وما ذلك إلا بسبب تغيركِ أنتِ يا أختي وابتعادك عن حال المرأة المسلمة الحقة.

ثانيًا: اعلم يا أخي أن الحزن نوعان، حزنٌ يُقرّبك من الله، وحزنٌ يقطعك عنه.

افعل ما عليك، وادعُ، وانصح، وابكِ إن شئتَ، لكن لا تنسَ أن القلوب بيد الله، وليست بيدك ولا برغبتك الشخصية.

عليك صحيحٌ أن تحمل همَّ الإصلاح.. انصح من حولك، وكن صادقًا في نصحك لهم،.. ثم ارفع يديك وقل: اللهم اهدِ من أحببت.

أما ثالثًا: فلا تنسَ أبدًا المبدأ الشهير: (ما أكرمهنَّ إلا كريم، ولا أهانهنَّ إلا لئيم)، صحيحٌ أنه لم يثبت بالسند عن النبي ﷺ، لكنه يتوافق تمامًا مع الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ).. فما أثر ذلك على تعاملاتنا الزوجية اليومية؟

المعنى ببساطةٍ وبكل وضوحٍ هو أنه مهما كانت الزوجة سيئةً فأكرمها، ستخطئ حتمًا، ومع ذلك أكرمها.. يبدو لك الأمر غير متكافيء وأنك اعتدت أن تعاقبها؟

إذًا أذكرك بما ذكرنا في خطبةٍ سابقةٍ عن حديث عائشة حيث أتى غلامٌ بصحفة طعام من إحدى زوجات النبي ﷺ، فقلبت عائشة الصحفة وانكسرت وتبعثر الطعام، فماذا كان رد فعل قائد الأمة وأفضل مكانةٍ في تاريخ البشرية؟ فقط لملم الطعام على الأرض وقال: (غارت أمكم، غارت أمكم).. بل حتى لم يقل غارت عائشة، لكن قال أمكم.. ألهذا الحد يكون الإكرام يا رسول الله؟ تسيء إليك وأنت من أنت، ثم تكرمها في ذات لحظة الإساءة وتقول (أمكم) تشريفًا لها..!!

أما إن أسأت إليها وعاملتها فأنت لئيمٌ خالف القاعدة النبوية الأساسية في الزواج، وهي:

(اتقوا الله في النساء فإنهن عوان بين أيديكم) حتى وإن أسأن العشير.. وهذا تحديدًا هو أحد أسباب القوامة لك كرجل، لأنك تملك أعصابك وتتحكم في نفسك عند الغضب.

قارنوا يا إخوة هذه القواعد الذهبية في الحياة الزوجية، بما ترسخ في أذهان الكثيرين منكم عبر المسلسلات التلفزيونية.. الكثيرون يفهمون أن الرجل يكون بطل المشهد حين يقف ويكشر عن أنيابه ويرمي يمين الطلاق على امرأة خرجت عن حدودها، وكأني أراه ينتظر التصفيق الحار له بعد تلفظه بيمين الطلاق.

ليست هكذا تكون الرجولة أصلاً، أرجوكم انسوا هذه المشاهد كلها وامسحوها من ذاكرتكم تمامًا، وتذكروا فقط سنة نبيكم ونهج صحابته الكرام.

والله يا إخوة إننا نتعجب مما نرى من أسباب الاختلاف قبيل الطلاق، فقبيل يومين مثلاً سحب زوجٌ الرصيد من الحساب البنكي المشترك مع زوجته، وطالب بطرد الزوجة وأبنائه من البيت بحجة أنه ملكه الخاص، لماذا كل هذا يا رجل؟ و أعتذر عن كلمة رجلٍ هنا، فهي في غير محلها..

المهم أنه يفعل ذلك من وجهة نظره لأنها لا تربي الولد جيدًا، وقع الأرض فلم تتركه لينشف عوده، بل دللته كالبنات.. ثم ماذا؟ لا هذا يكفيني.. يا رجل: ألهذا الحد وصلت سخافتك؟ أم خدعتك المساحيق في وجوه البنات في الشارع وتريد تجربة الجديد منهن؟

وآخر يشتكي من أهل زوجته، وهكذا.. نبحث لهن عن أي مشكلة، ويكون الحل هو حرق البيت بأكمله، لا علاج مشاكله.. ولماذا أنت رجل إذاً؟ ولماذا عهد الله لك بالقيادة؟

لا تعلم كيف تحل مشكلةً ما مع زوجتك، لا بأس.. تعلم كيف تحلها، اجتهد، لكن لا يكون الحل هو كلمة الطلاق أبدًا، فهذا حل مخرجي المسلسلات حين يريدون الإثارة فقط.

أعلم أنك قد تعاني من الضغوط خارج البيت، لكن ليس هكذا تحل المشاكل، بل هذا يعقدها لا أكثر.. لا تكن عنتريًا يا أخي، فتحديدًا في هذه البلاد ليس لكلٍ منكما إلا الطرف الآخر، ولعلها تكون فرصةً جميلةً بعيدًا عن الأهل وتأثيرهم.

تذكر دومًا كلمة حبيبك وقائدك ﷺ حين قال: (غارت أمكم).. نعم أكرِمها أيضًا وقت الإساءة.

وتذكر: ما أكرمهنَّ إلا كريم، ولا أهانهنَّ إلا لئيم

وتذكر أيضًا القاعدة العامة في المجتمع المسلم: فيما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن الرسول ﷺ: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).. تريد التطليق، أو تريد الانعزال تجنبًا لأذى الناس، فأنت مخالف لنهج نبيك ﷺ.. أصلح الله حالنا وحالكم، وأكتفي بهذا، والله أسأل أن يعيننا وإياكم، وأن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد..


والآن إلى حال المسجد:

شكونا لكم الأسبوع الماضي سوء الأحوال المادية، وأننا لم ندفع الإيجار، وسررنا أن الكثيرين منكم قد أخذوا أوراق الاشتراك الشهري في نفقات المسجد، لكن لم تأتنا منها إلا ورقتان فقط.. أأنساكم الشيطان أن المسجد هو مسئوليتكم جميعًا؟

هل تتصور يا أخي أن إيجار المتر الذي تجلس وتتحرك فيه، يورو مثلاً في الشهر؟

أقولها لكم بكل وضوح، وربما لم تسمعوها قبل ذلك، إن تكلفة المصلي الواحد شهريًا في أقل أحوالها، شاملاً المكان ونفقاته ومرتب الإمام، هي حوالي €25 يورو شهريًا.. إن لم تدفعها ولم يدفعها غيرك، فلا نستطيع الاستمرار.. نبتعد عن الخطب التراثية والسجع الممتع ونجتهد في حل مشاكل المسلمين هنا، لكن من يحل لنا مشكلتنا هذه؟!

كتبنا لكم في كل مكانٍ على الجدران: مسجدك مسئوليتك

فماذا نفعل أكثر من ذلك؟!!

نبيكم ﷺ يقول لكم: (ما نقص مالٌ من صدقة).. وأغلبكم يخرج قبل أن نذكره مرةً أخرى بضرورة الإنفاق على المسجد.

تمهل قليلاً يا أخي، فربما تخرج ولا تجد هذا المسجد بعد ذلك، وسيسألك الله عن مسئوليتك عنه.

.. ..

ألا وصلوا وسلموا على البشير النذير، واتقوا الله عباد الله، وإني داعٍ فأمنوا:

أكثر من 50,000 شركة تستخدم أودو لتنمية أعمالها.

انضم إلينا واجعل من شركتك مكاناً أفضل.